أقاليم ديار مصرية » كان مبعثها هو اهتمام العثمانيين بمصر في القرنيين الخامس عشر والسادس عشر .
ومن بين جميع فروع الأدب الجغرافي التي ازدهرت في الفترة التالية للعصر الكلاسيكى أحس الترك كما أحس العرب من قبلهم بميل خاص نحو الكوزموغرافيا ، وهي تلك الأوصاف العامة لجميع العالم التي أفرد فيها مكان معين للجغرافيا إلى جانب الفلك والانثروبولوجيا والحيوان والنبات والمعادن وجميع ضروب الأساطير 8 . وقد حظى القزويني بمكانة خاصة في هذا المجال وترجم مصنفه « عجائب المخلوقات » عدة مرات إلى التركية 9 ولخصه المؤلف التركي أحمد بيجان منذ عام 857 ه - 1453 وسنلتقى بهذا الأخير كمؤلف مستقل في خلال هذا الفصل ؛ أما الترجمات الكاملة للكتاب فترجع إلى القرن السادس عشر 10 .
وقد أثار أهمية أكثر من ذلك كتاب « خريدة العجائب » لابن الوردي فترجم إلى التركية لا أقل من خمس مرات ترجع أولاها إلى القرن الخامس عشر وتمت قبل استيلاء العثمانيين على القسطنطينية 11 ، أما الترجمات الأخرى فيرجع معظمها إلى القرن السادس عشر وتحمل إحداها تاريخ 963 ه - 1556 12 .
ومحمود عاشق الذي سيرد الكلام عليه بعد قليل ، وهو أول مؤلف لأثر جامع في الجغرافيا باللغة التركية ، قد ضمن مصنفه ترجمة ملخصة لمؤلف ابن الوردي في الكوزموغرافيا وذلك حوالي عام 1006 ه - 1598 13 . وعلى غرار نمط الكوزموغرافيا تمتع بنفس هذه الدرجة من الرواج بين الأتراك العثمانيين مصنف أبى الفدا في الجغرافيا ، وقد ذكرنا في حينه أن سباهىزاده ( المتوفى عام 997 ه - 1588 ) قد أعاد صياغته بالعربية على هيئة معجم وزاد عليه إلى العصر الذي عاش فيه ، ثم لم يلبث أن عمل له ترجمة موجزة باللغة التركية 14 . أما مصنف أبى الفدا في التاريخ فقد نقل إلى التركية منذ القرن الخامس عشر 15 كما أن الترجمات التركية العديدة لتاريخ الطبري ، وهي تستند في معظم الأحوال على ترجمته الفارسية من عمل البلعمى ، قد بدأت في الظهور منذ السنوات العشر الأولى للقرن الخامس 16 عشر .
إن هذه الأسماء العديدة التي مرت سريعا أمام ناظرينا تكفى لإعطاء فكرة عن النشاط الكبير الذي قام به العثمانيون لتمثل التراث العربي في محيط الأدب الجغرافي القديم والحديث ، ولم يكن ليقدر لهذا النشاط أن يبلغ ذلك المدى لولا أن وجدت المخطوطات العربية طريقها فجأة في ذلك العصر - - إلى الدولة العثمانية خاصة إلى العاصمة استنبول حتى أصبحت مجموعاتها في المخطوطات تضارع ، إن لم تفق ، مثيلاتها في البلدان العربية الأخرى . هذا وقد بدأت تركيا تمارس منذ القرن السادس عشر حقها كبلد فاتح من مختلف المخطوطات بصورة منتظمة من مصر ، وبهذا وجدت طريقها إلى استنبول مجموعات كاملة من مختلف « الأوقاف » الحكومية والمخطوطات الشخصية لعدد من أمراء المماليك خاصة أولئك الذين حاق بهم لسبب ما سخط الدولة العثمانية . وقد سار هذا السيل من المخطوطات في صورة منتظمة وسريعة حتى أنه توجد حالات تم فيها الكشف بعد قرون طويلة عن وجود مجموعات كاملة من المصنفات التي ألفت بمصر والتي افتقدها الباحثون عقب الغزو العثماني لها ، مثال ذلك الموسوعات الكبرى لعهد المماليك التي أبنا عن أهميتها
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 609
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦٠٩