بالنسبة للأدب الجغرافي العربي فيما مر من الكتاب . ويرجع معظم المخطوطات التي وجدت طريقها إلى استنبول إلى عهد المماليك ، ومن بينها عدد ليس بالقليل من النسخ التي رفعت هدايا إلى السلاطين والأمراء وكتبت بخط أنيق وزينت برسوم فنية رفيعة ، كما يوجد بينها أيضا عدد من المخطوطات الأولى التي كتبت بيد المؤلفين أنفسهم والتي ترجع إلى عهود سابقة . ولم يقتصر وجود المخطوطات على المجموعات العامة الموجودة بالمساجد الكبرى بل وجدت أيضا في المجموعات الشخصية وبدكاكين الوراقين ؛ ونحن نذكر جيدا كيف تحدث الرحالة العربي التمجروتى في حماس بالغ عما حفل به سوق الوراقين باستنبول من مخطوطات عربية متنوعة . ومنذ ذلك التاريخ نافست استنبول بمحتوياتها في المخطوطات العربية أمهات الحواضر العربية الكبرى كالقاهرة ودمشق بل وفاقتها في بعض الأحايين ، وكما عاون وصول المخطوطات اليونانية إلى إيطاليا على إحياء الثقافة الكلاسيكية القديمة فقد نشأ عن وصول المخطوطات العربية إلى تركيا قيام حركة مشابهة في الأدب التركي خاصة في ميدان الجغرافيا ؛ وقد ظلت هذه المخطوطات لعهد طويل مجهولة لدى الدوائر العلمية الأوروبية باستثناء القليل منها الذي وصل علمه إليها عن طريق المصادفة البحتة في الغالب ؛ غير أن السنين العشرة الأخيرة قد وكدت احتمال العثور على مخطوطات مختلفة في شتى فروع العلوم بين مجموعات المخطوطات هناك ، ويرجع الفضل الأكبر في إلقاء الضوء على هذا إلى مجهودات المستشرق الألماني ريتر
Ritter
. وكما وضح فيما بعد فإن عددا كبيرا من هذه المخطوطات يدخل في محيط الأدب الجغرافي بل إن بعضا منها مما يتعلق بالعصر الكلاسيكى قد دفع إلى التفكير في إعادة طبع بعض أجزاء « مكتبة الجغرافيين العرب »
Bibliotheca Geographorum Arabicorum
17 ؛ أما فيما يتعلق بالعصور التالية لذلك - - فقد تم الكشف عن مواد في غاية من الأهمية فيما يتصل بالإدريسى ، كما أن الكوزموغرافيات المختلفة تجد مكانها بصورة حافلة للغاية بين هذه المجموعات من المخطوطات . هذه النهضة الفريدة للأدب العربي التي دعمها ترجمة عدد كبير من آثاره إلى التركية ووصول عدد هائل من المخطوطات إلى أراضي الدولة العثمانية كان من شأنها أن تساهم في خلق ونمو أدب أصيل باللغة التركية نفسها ، بالرغم من أن هذا الأدب لم يقدم لنا في عهده الأول أية آثار ذات قيمة .
ويعد أول مؤلف لأثر من هذا النوع يازجى أوغلو أحمد بيجان الذي كما أسلفنا القول قد قام في عام 857 ه - 1453 بعمل مختصر « لعجائب المخلوقات » للقزوينى ؛ ومخطوطات هذا المختصر ليست بالنادرة 18 بل إن الكتاب نفسه قد طبع بقازان في عام 1888 ، وهي طبعة من العسير الحصول عليها الآن 19 ولكن مجرد الاهتمام بطبعه يقف دليلا واضحا على انتشار هذا المختصر في الماضي حتى بين شعوب الاتحاد السوفيتى . ومن المحتمل أن تكون معرفته بالمذهب الجغرافي هي التي دفعته لوضع رسالة مستقلة بعنوان « در مكنون » كثيرا ما نلتقى بمخطوطاتها هي أيضا ؛ وعلى الرغم من هذا فإن صلته بالآثار الكلاسيكية العربية ضعيفة ، وهو يعالج موضوعه في الغالب من الوجهة الأسطورية الشعبية وتحتل