بالكثير من الذكاء وحسن الفهم وأن يضيف إليها الكثير - - مما حصل عليه عن طريق تجربته الشخصية .
وتتميز بأهمية خاصة وقيمة كبرى تلك الأقسام من كتابه التي تعتمد على معرفته المباشرة بنقاط جغرافية معينة ؛ وعلى أية حال فإنه لا يمكن الإحساس من تصفح المصنف بأنه مصنف نقلي بل يغلب أن يكون أثرا مستقلا قائما بذاته 208 . وكما لاحظ بلوشيه
Blochet
بالكثير من الصواب فإنه لا يمكن بأية حال مقارنة خارطاته بمدرسة الصفاقسى الذي لم يكن في هذا المضمار سوى ملاح تافه اقتصر في وصفه على السواحل 209 . ويقف كتاب « بحرية » في جميع الأدب التركي فريدا في نمطه ، بل إن المؤلف نفسه يذكر في فاتحة كتابه أنه يمثل بالنسبة لمواطنيه شيئا لم يعهدوه من قبل ، كما وأن حاجى خليفة الذي كان خبيرا في الجغرافيا الملاحية يؤكد بالتالي أنه لم يدون بعده شئ شبيه به في هذا المضمار 210 . أما في الأوساط الحديثة فقد قيل أحيانا في وصف « بحرية » إنه « أهم ما دونه الأتراك في محيط الجغرافيا » 211 .
وخير دليل على تفوق پيرى ريس على معاصريه ومن خلفوه في هذا الفن أنه لم يوجد بعده من يستطيع أن يجرى أي تجديد في متنه ؛ وإذا كانت الخارطات كما لاحظنا قد زيد في عددها وأضيف إليها الكثير فإن المتن لم تضف إليه سوى معلومات ضئيلة ليتفق مع الأوضاع السائدة في عهود متأخرة هذا بينما بقيت مادته الأساسية كما هي لم يعتريها أي تغيير . ولعل هذا قد عاون بدوره على احتفاظ الترك بمرشداتهم البحرية المستعملة في الملاحة الشراعية ، وذلك على عكس رصيفاتها الغربية التي لم تكن سوى توضيحات للجوانب العملية ولم يلبث أن بطل استعمالها سريعا وطوتها زوايا النسيان ؛ أما « بحرية » فكان أثرا أدبيا مرموقا كتب له البقاء 212 . أما بالنسبة للمتخصصين فقد كان الوضع على النقيض ، إذ أن الخارطات لعبت بالنسبة لهم دورا جوهريا على حين كانت أهمية المتن ثانوية 213 ؛ وهو لم يعتريه تغيير كبير وكان يدون تارة على المساحات الشاغرة في الخارطات أو يهمل تماما طورا آخر 214 . وقد أثبت البحث أن الخارطات التركية للبحر الأبيض المتوسط التي ترجع إلى القرن السابع عشر إنما ترتبط ارتباطا وثيقا بعمل پيرى ريس 215 .
هذا وقد قدر العثمانيون المصنف حق قدره وأفادوا منه بصورة أوسع بكثير مما فعلوا مع كتاب سيدي على چلبى ، وهو أمر مفهوم بالنسبة لأهمية المنطقة التي يعالجها . وقد ورد ذكره لدى حاجى خليفة في مرجعه الضخم « كشف الظنون » وفي مصنفه الجغرافي الكبير « جهاننما » وفي كتابه في تاريخ الأسطول العثماني « تحفة الكبار » 216 ؛ كما وأن أوروبا قد تعرفت عليه منذ بداية - - القرن التاسع عشر وذلك بفضل مجهود المستشرق ديتس
Dietz
، وهو نفس البحاثة الذي قدم أول معلومات عن كتاب سيدي على ريس 217 ؛ ففي عام 1789 وذلك عند ارتقاء السلطان سليم الثالث للعرش تمكن ديتس من الحصول على مخطوطة أنيقة ذات قيمة كبرى لأنها كانت ملكا لسلاطنة آل عثمان أنفسهم ولعلها رفعت كهدية - - إليهم ، ثم انتقلت بمرور الزمان إلى الحر ملك لتسلية الجنس اللطيف لأن خارطاتها قد تم تصويرها بمهارة