الافتراضات نسبة لأن الأصول التي اعتمد عليها پيرى ريس لم تصل إلينا . وقد ثبت بوجه عام أنه قد سار في الغالب على منوال النماذج التي عملها البنادقة والتي كانت تحت تصرفه بغليبولى ؛ وتمثل هذه النماذج خارطات مستقلة وهي التي عملت على أساسها البورتولانات الغربية ولكنها أكثر قيمة منها بفضل أحجامها الكبيرة . - - وپيرى ريس لم يكتف بالطبع بتقليدها تقليدا أعمى ، فمثلا نراه يجرى تصحيحا جوهريا في رسم بحر إيجه معتمدا في ذلك على ملاحظاته الشخصية 197 . ونظرا لأن هذه الخارطات الخاصة لم تحفظ لنا فإن كتاب « بحرية » يكتسب بهذا أهمية مضاعفة بصفته مصدرا لا مثيل له للتعرف على الكارتوغرافيا الأوروبية المبكرة 198 . ويمكن أحيانا تتبع المادة التي استقى منها پيرى ريس بالكثير من اليقين فقد ثبت أن لرسومه الجغرافية التي تصور بحر الأرخبيل علاقة بالأثر المعروف باسم « ايزولاريو »
Isolario
للإيطالى بارتولوميو دالى سونتى
Bartolomeo da li Sonelli
المطبوع بالبندقية في عام 1485 أو بعد ذلك بقليل ؛ وتبدو صلة الرحم بين الاثنين واضحة بما لا يدع مجالا للشك بمجرد وضعهما جنبا إلى جنب 199 ، ويرتفع أصل الاثنين على ما يبدو إلى الخارطات القديمة التي كان يستعين بها ربابنة السفن في الملاحة ، ولكن مع فارق بسيط هو أن پيرى ريس يقدم لنا مجموعة كاملة من الخارطات لجميع سواحل البحر الأبيض المتوسط على حين يقتصر بارتولوميو على بحر إيجه وحده 200 . ولعله يجب أبصار اسمه في « بورتولوميه » الذي يذكره پيرى ريس في الفصل السابع والأربعين من مقدمته الشعرية ؛ ومن الطريف أن كاله
Kahle
لسهو وقع فيه هاهنا قد جهد في أن يرى في هذا الشكل رسم بطلميوس 201 رغما من أن الأخير يرد لدى پيرى ريس في الشكل الذي استعملته العرب . ومن المحتمل أنه قد وجدت بين يديه مرشدات الملاحة الشراعية التي نالت انتشارا واسعا آنذاك والتي لم يصلنا شئ عنها من العصور الوسطى الأوروبية 202 . ونظرا لأن مصنفه يعكس إلى حد ما المرشدات الإيطالية ، لا في الخارطات وحدها بل وفي المتن أيضا ، فإنه يمكن القول بأنه لم يحفظ لنا سر فرع واحد من الملاحة فقط بل قد حفظ لنا جميع علم البحار تقريبا 203 .
ومما لا شك فيه أن پيرى ريس قد جمع معلومات شفوية من عدد من الملاحين ذوى التجربة ، فقد التقى بملاحين برتغاليين عرفوا الصين 204 ، كما يغلب أنه التقى بأحد الذين أخذوا طرفا في رحلة ماجلان حول الأرض وهو المدعو انتونيو بيغافتا
F . A . Pigafetta
205 . وقد ثبت أن روايته عن مختلف الشعوب الغريبة في بحار الشرق الأقصى إنما ترتفع إلى مصدر صينى وصله في أغلب الظن عن طريق البرتغاليين 206 .
واعتمادا على هذه المادة المتشاكلة المصادر والتي دون بعضها على ما يبدو بالإغريقية والإيطالية ، وهما لغتان عرف إحداهما جيدا بحكم مولده 207 ، فقد استطاع پيرى ريس أن يخرج لنا مؤلفا باللغة التركية مستقلا بذاته . ونظرا لمعرفته الجيدة بالبحر الأبيض المتوسط فقد عرف كيف يستعمل مصادره