وكتاب « بحرية » وإن كان يمثل في أساسه أطلسا ملاحيا إلا أنه كان يستهدف ولو بقدر متواضع أن يكون دليلا للملاحة الشراعية ببحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط 181 وأن يخدم في نفس الوقت كمرشد في معرفة المواضع المبينة على الخارطات ؛ ولهذا السبب فإن المصنف يقدم وصفا مفصلا بما فيه الكفاية لجميع السواحل مع بيان التيارات والشعب والمراسى والخلجان والمرافئ والمضايق ومنابع المياه العذبة والمواضع المحصنة والقلاع والمباني والحرائب 182 ، كما يتعرض خلال ذلك للحديث عن الجغرافيا السياسية والوضع الإدارى للأماكن المختلفة . ولا يخلو من طرافة في هذا الصدد أن نلاحظ أن تعليقاته البدائية على الآثار القديمة تمثل رغما من سذاجتها أهمية كبيرة في بعض الأحايين 183 . ولنذكر على سبيل المثال أن البحوث الأثرية الحديثة التي أجريت في منطقة ملطية وفي الجزر والسواحل المجاورة قد أثبتت أن پيرى ريس محل للثقة فمن بين جميع التفاصيل التي يوردها لا توجد واحدة لم تدعمها الأبحاث المعاصرة 184 .
وتشمل المسودة الأولى لكتاب « بحرية » مائة وثلاثين فصلا يعالج كل واحد منها الكلام على موضع جغرافى أو ناحية غير كبيرة وذلك بحسب ترتيب معين لا تتفق فيه جميع مخطوطات الكتاب . وكل قسم من هذه الأقسام تصوره في العادة خارطة ويقف أشبه ما يكون مستقلا بنفسه بحيث يفتقد أي رباط عام داخل الكتاب باستثناء التتابع الجغرافي على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط ابتداء من غليبولى .
أما المسودة الثانية للمصنف فقد بدأ فيها بعد قليل من الأولى ، وكانت المناسبة التي دعت إلى ذلك هو أن السلطان سليمان القانوني كان قد بعث بالصدر الأعظم إبراهيم باشا إلى مصر في أكتوبر عام 930 ه - 1524 ، وكان يقود الأسطول پيرى ريس الذي حمل معه نسخة من كتابه « بحرية » وكان قد انتهى من تأليفه قبل ذلك بقليل ولكنه كان يمثل « أوراق مبعثرة » 185 على حد قول مؤلفه .
وقد رجع بيرى ريس أثناء اللحظات الحرجة من الرحلة إلى كتابه أكثر من مرة بحيث استطاع إبراهيم باشا أن يقدر قيمته ومن ثم فأشار عليه بأن يؤلف بين هذه الأوراق على صورة كتاب كامل فاستجاب پيرى ريس لرغبته وبدأ يعيد النظر في المتن والخارطات 186 حتى انتهى من المسودة في في خلال عامين من ذلك ، أي في عام 932 ه - 1526 187 .
والتغيرات الأساسية التي طرأت على الكتاب والتي يمكن تتبعها من التحليل الذي قام به تيشنر
Taeachner
معتمدا في ذلك أساسا على مخطوطات استنبول 188 قد قبلها في جوهرها كاله
Kahle
رغما من أنه أظهر في البداية بعض التردد حول نسبة المسودة الثانية إلى المؤلف نفسه . ولا تزال بعض النقاط التي تمس تفاصيل معينة غير واضحة ولن يتم توضيحها إلا بعد دراسة دقيقة منظمة لجميع الأثر خاصة النماذج الموجودة باستنبول والتي لم تفحص بعد بصورة وافية .
والتعديل الذي أجرى في المسودة الثانية للمصنف يمس قبل كل شئ الخارطات التي زيد في عددها بشكل كبير ؛ ففي المسودة الأولى حظى كل قسم من الأقسام المائة والثلاثين بخارطته الخاصة به ، أما الآن