فإن عدد الخارطات ارتفع إلى مائتين وعشرة خارطة بخلاف خارطات أخرى ذات طابع مستقل 189 .
وينمو عدد الخارطات في المخطوطات التي ترجع إلى تاريخ متأخر عن ذلك ولعلها لا تقتصر في هذا على مادة پيرى ريس وحده ، ويتضح هذا بصورة خاصة من مثال البحر الأدرياتيكى حيث تنفرد الفصول الستة المكرسة له ( من الثامن والخمسين إلى الثالث والستين ) باثنين وأربعين خارطة ، لعلها هي التي تبقت من أربع وأربعين 190 وتبدو هذه الزيادة أيضا في أقسام أخرى ، فالنيل مثلا ( الفصلان الثامن والتسعون والتاسع والتسعون ) يفوز هنا بلا أقل من عشر خارطات 191 .
ولم يقتصر التعديل الذي أجرى في المسودة الثانية على المادة الكارتوغرافية وحدها بل امتد إلى المتن أيضا ، فالمقدمة قد غيرت معالمها تماما - - لأن المؤلف أضاف إليها رسالة منظومة في خمسين فصلا تعالج موضوعات شتى مما يحتاج إليه الملاحون 192 كالخبرة والاستعداد الفطري في هذه المهنة واستعمال البوصلة والخارطات والمعرفة بالجغرافيا الملاحية ، كما يرد عرض لبعض أقسامها مثل منابع النيل وزنزبار وبحر عدن والمحيط الهندي وبحر الصين والمحيط الأطلنطى والاكتشافات البرتغالية وتوضيح خطوط الزوال وخطوط العرض 193 . وتنتهى المقدمة يقصيدة طويلة أشبه بخاتمة في مائة بيت يعرض فيها المؤلف للأسباب التي حدت به لوضع المسودة الثانية للكتاب 194 .
والتنوع الذي طرأ على هذه المسودة الثانية ، التي ترد بعض مادتها نثرا وذلك عند توضيحه للخارطات وبعضها شعرا ، يرجعه المؤلف إلى عوامل خارجية صرفة ؛ مثال ذلك أن الحاجة إلى استعمال الأطلس قد تطرا ليلا في لحظات خطر ماثل لذا فمن الضروري أن تكون المعلومات في متناول اليد سريعا ولن يتأتى هذا بالنسبة لأثر شعري 195 . وهذا القول لا يخلو بالطبع من وجاهة ، غير أننا إذا أمعنا النظر في محتويات الفصول المنظومة شعرا فإنه لن يفوتنا ملاحظة الشبه في بعض النقاط بين هذه المقدمة ورسائل أحمد بن ماجد بحيث يدعو الأمر إلى التساؤل أليس من الممكن أن يكون پيرى ريس قد اطلع خلال الفترة الزمنية بين المسودتين على أراجيز الربان العربي وأنه قد صاغ بالتالي مقدمته على منوالها .
وبالطبع فإن الشبه بين الاثنين يقف عند هذا الحد ، ومن المستحيل تصور وجود علاقة أيا كانت بينهما لأن پيرى ريس ينتمى إلى مجموعة أخرى لا تمت بصلة ما إلى وسط سيدي على ريس . ويرى المتخصصون أن لغة « بحرية » سهلة ولو أنها لا تخلو من وقت لآخر من استعمال بعض الصيغ المهجورة مما يرفع من قيمتها لدى المشتغلين بدراسة اللغات التركية 196 .
أما فيما يتعلق بمصادره الكارتوغرافية فإن أطلس پيرى ريس يرتبط ارتباطا كليا بالمادة الغربية ، ويكفى مجرد إلقاء نظرة على أية واحدة من خارطاته ليقتنع المرء فورا بعدم وجود أي أثر للتقاليد العربية المعروفة لنا جيدا . هذه الانطباعة الأولى قد وكدها بالتالي عدد من الأبحاث المتعلقة بالأقسام المختلفة والتي ساقت إلى نتائج ملموسة في هذا الصدد ، ولو أنه يجب الاعتراف أن بعضها لا يخرج بطبيعته عن محيط
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 591
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٥٩١