وأرسل بها في عام 498 من جزيرة هايتى إلى أسبانيا . وتوجد تفاصيل محددة عن هذه الخارطة في الأدب الأوروبى القديم ، إلا أن نسختها نفسها قد اختفت تماما ولا يوجد أثر لها إلا في عمل الكارتوغرافى التركي الذي وقع أصل خارطة كولومبس في يده عند نهب سفينة مسيحية بالبحر الأبيض المتوسط عام 1501 ، فاستغل الخارطة في رسم خارطته عام 1513 230 ؛ ولا شك أن هذا الظرف يكفى في حد ذاته ليضمن لاسم پيرى ريس مكانة مرموقة في تاريخ الكارتوغرافيا العالمية . ويبدو أن پيرى ريس قد ظل مهتما « بالدنيا الجديدة » إلى ما بعد هذا التاريخ ، بل ويوجد أساس للافتراض بأنه ترجع إليه خارطة أخرى رفعها إلى سليمان القانوني في عام 935 ه - 1529 ، أي بعد ثلاثة أعوام من إتمامه لمصنف « بحرية » ، ومبينة عليها الاستكشافات البرتغالية الجديدة في أميريكا الجنوبية والوسطى وفي نيوفوندلاند ؛ وهي أيضا بدورها محفوظة بالسراى وفي شكل ممزق أيضا للأسف 231 .
وهكذا فالجغرافيا الملاحية عند الأتراك في القرن السادس عشر قد ساقتنا في آخر الأمر لا خارج حدود الشرق وحده بل وحدود أوروبا أيضا ، ولا شك أن ارتباطها بالمذهب العربي قد ضعف بالتدريج ولكنه لم ينفصم كلية كما يمكن أن نتبين من مصادر الخارطة العالمية لپيرى ريس . غير أن ذلك الارتباط يختلف اختلافا تاما عن ارتباط الآثار العربية للقرن الخامس عشر بذلك المذهب ، فابن ماجد كما رأينا قد اعتمد اعتمادا كاملا على المذهب العربي وترسم خطاه في هذا كل من سليمان المهري والملاح التركي سيدي على چلبى رغم معرفتهما بالبرتغاليين واحتمال استفادتهما من التجربة العملية لهؤلاء الأخيرين .
أما بالنسبة لپيرى ريس فإن المذهب العربي لا يمثل سوى عنصر من العناصر العديدة في مؤلفاته ، بل وعنصر من الدرجة الثانية إلى جانب ذلك ؛ - - ولعل مرجع هذا إلى حد كبير هو المناطق التي وجه إليها پيرى ريس اهتمامه الرئيسي . وقد أفاد پيرى ريس بمهارة من المراجع الأوروبية التي ارتفعت قيمتها في ذلك العصر بالذات ، وبذل جهده في أن يتمثلها بشكل عام حتى غدت جزءا من تجربته الشخصية . ورغما من الاختلاف الضخم بينهما من حيث المنهج والمادة فإن ابن ماجد وپيرى ريس يتبوءان عن جدارة مركز الصدارة في الأدب الجغرافي الملاحى لدى العرب والترك في عصرهما بصورة تجعلنا نقول إن ما بلغه هذا الأدب من عظمة ومجد إنما يرجع إليهما شخصيا .
ومن الطبيعي أن نتتبع في هذا الفصل تطور الأدب الجغرافي الملاحى لدى العرب بتفصيل أكثر بحيث يمكن القول بأنه قد تم توضيح خطوطه الجوهرية بصورة متكاملة ؛ وهو يحتل المكانة الأولى في الأدب الجغرافي العربي للقرنين الخامس عشر والسادس عشر ويمثل آخر تيار أصيل في هذا الميدان إلى القرن العشرين . ومما لا شك فيه أنه بالنسبة للأدب التركي في ذلك العصر أيضا فإن الجغرافيا الملاحية تمثل صفحة من أنصع صفحاته ؛ وهي بالطبع لا يمكن فصلها عن التطور العام للأدب الجغرافي التركي . ذلك الأدب الذي بدأ ينتعش قبل قليل من هذا في القرن الخامس عشر والذي يقدم لنا في القرن السابع عشر شخصيات
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 596
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٥٩٦