يتمتع في مقابل ذلك ببراعة سياسية كبيرة حتى اضطر جمهورية البندقية إلى التراجع مرارا 171 ومتن صلة الدولة العثمانية بشمال أفريقيا بشكل ملحوظ 172 ، فلا غرو أن أشاد الشعراء الأتراك بأعماله المجيدة في قصائد خاصة تحتوى إحداها على عشرة ألف مثنوى 173 . ويلاحظ مؤرخ سيرة حياته
( biographer )
أن ما قام به پيرى ريس لم يكن ليتأتى دون رحلات كمال ريس وخبرته وأثره الكبير عليه ، بل إن نفس القول يصدق على ما ناله بيرى ريس من مكانة مرموقة 174 .
ولعل الفضل يرجع إليه أيضا في معرفة پيرى ريس الواسعة بمصر ، إذ أن صلة كمال ريس بها ترجع إلى عام 1498 175 عندما قام بمهمة من أجل الدولة ؛ غير أن الحظ لم يبسم هناك بالتالي لابن أخته فقد حدث بعد ذلك بمدة طويلة أن شغله منصب قبودان مصر ثم كلفه السلطان بالمهمة التي أشرنا إليها من قبل وهي قيادة الأسطول العثماني المصري من السويس إلى الخليج الفارسي لقتال البرتغاليين . وفي طريقه أخضع پيرى ريس عدن في عام 945 ه - 1538 وانتهب مسقط في عام 959 ه - 1551 ثم حاصر هرمز بيد أنه فشل فشلا كاملا أمام البرتغاليين الذين هزموه شر هريمة فلم يستطع الإفلات إلا بثلاث سفن وصل بها إلى السويس . ثم قدم إلى المحاكمة في القاهرة ولعب دورا ليس بالضئيل في إدانته شكوى وإلى البصرة مما جرى على يده من سبى ونهب على طول سواحل الخليج الفارسي ، فحكم عليه بالإعدام وتم تنفيذ ذلك في حوالي عام 962 ه - 1554 أو قبل ذلك بقليل 176 .
هذه الحياة المتقلبة المليئة بالأحداث لم تمنعه على أية حال ، وذلك على النقيض من خاله ، أن يخلف صيتا واسعا في الأدب الجغرافي يستند - - بصورة خاصة على أطلس ملاحى كبير يعرف باسم « بحرية » وخارطة كبيرة للعالم ينعكس فيها بعض الشئ تأثير خارطة كولومبس التي لم تصل إلى أيدينا 177 .
ويحيط بالتاريخ الأدبي لوضع المصنف الأول تعقيد شديد لا يقتصر سببه في أنه وجدت للكتاب مسودتان كما اتضح في الآونة الأخيرة ، بل لأن المؤلف نفسه قد أحاطه ببعض الغموض . فهو يذكر أن الدافع إلى تأليف الأطلس كان مناسبة اعتلاء السلطان سليمان للعرش عندما حاول أهل كل مهنة أن يقدموا إليه هدية من مجال فنهم ، لهذا فقد بدأ المؤلف عمله في عام 927 ه ( ابتداء من ديسمير عام 1520 ) ورفع الأطلس كاملا إلى السلطان سليمان في عام 930 ه - 1523 178 . غير أنه يبدو من أقسام معينة في المقدمة أن پيرى ريس قد بدأ عمله في الأطلس قبل ذلك بمدة طويلة أي في عهد السلطان سليم وكان يريد رفعه إليه ولكن لما وافته منيته رفعه إلى السلطان سليمان القانوني 179 . وتشير جميع القرائن إلى أن العمل قد سار جنبا إلى جنب في كل من الأطلس والخارطة المشار إليها وذلك بمدينة غليبولى التي كانت المركز الإدارى للاسطول العثماني آنذاك ووجدت بها المادة اللازمة التي استعان بها المؤلف في شكل واسع . وإلى جانب هذا فقد كانت وراء المؤلف تجربة عشرين أو ثلاثين عاما 180 من المران العملي في الشؤون البحرية بحيث تردد صدى ذلك فيما تميز به المصنف من نضج واكتمال .