من اعترافنا بما يدين به لمصادره العربية فلنا الحق كل الحق في القول بأن كتاب على ريس يمثل ظاهرة كبرى في الجغرافيا الملاحية لدى الأتراك ، هذا مع اعتقادنا أن تقدير العلامة التركي المعاصر ع . عدنان ( اديفار ) له مبالغ فيه بصورة كبيرة 162 .
وما قام به سيدي على ريس بالنسبة للمحيط الهندي قام به بالنسبة للبحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه معاصر له لم تنته حياته نهاية سعيدة وهو پيرى ريس الذي استند مجهوده العلمي على قاعدة أوسع مما كان عليه الحال مع سيدي على ريس . وإذا كان الأخير قد اعتمد اعتمادا كليا على النظرية والتجربة الشرقيتين فإن پيرى ريس قد أفاد من المادتين الشرقية والغربية على السواء ، زد على هذا أنه لم يكتف بالجمع بينهما جنبا إلى جنب بل مازج بينهما وتمثلهما في تأليف عضوى متناسق . أما من حيث المنهج فهو قد فاق على ريس بشوط بعيد ، وتعتبر آثاره التي ظهرت في القرن السادس عشر أقصى ما بلغته الجغرافيا والكارتوغرافيا الملاحية بين الأتراك في عهد ازدهار قوتهم وسلطانهم .
وشخصية پيرى ريس نموذج جيد
( lypical )
لهذه الفترة في تاريخ الملاحة العثمانية ، فهو لا يقف نسيج وحده بل يكمل حلقات تلك السلسلة من الشخصيات الكبرى التي تولت قيادة الأسطول العثماني آنذاك ، وهو كمعاصره الشهير خير الدين بربروسا أو كخاله كمال ريس الذي تدرب عليه في الشؤون البحرية لم يفرق دائما في نشاطه البحري بين دور القرصان الغاشم وأمير البحر التركي الذي يعمل في خدمة الدولة العثمانية ، ويلوح أن الدولة نفسها لم تستطع أن تفصل بدقة بين هذين الدورين . وخير مثال لهذا خير الدين بربروسا
Barbarosaa
( حوالي عام 1483 - 1546 ) بكلربك الجزائر وواضع أسس السيادة العثمانية على شمال أفريقيا ، فإنه قد رجع القرصنة أكثر من مرة 163 .
واسم پيرى ريس غير معروف لنا في أصله على وجه الدقة ، ويبدو أنه كان يدعى محى الدين ابن محمد لأن پيرى كان مخلصه الأدبي 164 ، وهو كخاله كمال ريس الذي غرق في يناير من عام 916 ه - 1510 165 - - والذي عرفته وثائق وحوليات جمهورية البندقية 166 باسم
Camaili
كان على ما يبدو مسيحيا في الأصل وربما من أصل يوناني 167 ؛ وياوح أنه شارك في المغامرات البحرية الكبرى لخاله في الحوض الغربى للبحر الأبيض المتوسط عندما أرسله السلطان العثماني في عام 892 ه - 1487 لتقديم العون إلى آخر أمراء غرناطة من دولة بنى نصر ، غير أن محاولاته لم تسفر عن أية نتائج إيجابية 168 . ومما لا شك فيه أن پيرى ريس قد شهد استسلام الأسطول البندقى للأتراك عند ليبانتو
Lepanto
في عام 905 ه - 1499 169 ؛ وإلى حوالي هذا العهد ترجع بعض المصادر مغامرة معينة في تاريخ حياته وهي نشاطه كجاسوس بالبندقية حوالي عام 1502 170 .
وهو يدين بالكثير لمدرسة كمال ريس ، وهذا الأخير لم يكن قائدا بحريا من الطراز المقاتل ولكنه كان « * »
هامش
( * ) هذه ليست واقعة ليبالتو البحرية المشهورة لعام 1571 التي هزم فيها الأسطول المسيحي أسطول العثمانيين . ( المترجم )