وبهذا فإن كتاب « محيط » لا يستحق في هذه النقطة بالذات تلك الإدانة الشديدة التي وجهها إليه فيران ، وإن وجد ثمة ما يبررها .
وكتاب « محيط » لم يظفر برواج ما بين الأتراك أنفسهم ، ولعل مرد ذلك إلى أن مادته ذات لون تخصصى يحول دون تداولها إلا بين المتخصصين في الشؤون البحرية أو المهتمين بدراسة المسائل الجغرافية .
وقد بدا هذا الاتجاه التخصصى في الأسلوب نفسه فغلب عليه نتيجة لذلك طابع فنى
( technical )
صرف لا يمكن أن يحس منه اطلاقا أن المؤلف كان كاتبا كبيرا على حد سواء ، ويصف توماشك لغته بأنها « مرهقة ومطنبة »
( schleppencd und Weitshweifig )
. أما من عنوا بتلك المسائل التي يعالجها فقد عرفوه جيدا ، فحاجى خليفة مثلا ينقل عنه في كتابه في الجغرافيا « جهاننما » جميع القسم من الباب الرابع الذي يعالج الكلام على جاوه وسومطره وسيلان ، كما ينقل عنه بالحرف الواحد تقريبا وصفه لجزر نيكوبار وملديف 151 .
وباسم سيدي على ريس يرتبط مصنف آخر ذو طابع جغرافى هو « مرآت الممالك » ؛ ولعله يمثل أهمية أكبر بالنسبة لجماهير القراء . وفيه يعرض المؤلف اوصف تجواله على مدى أربعة أعوام في طريق عودته من الهند إلى وطنه بطريق البر حين حدث له أن اجتاز عددا من الأقطار ومر بعدد كبير من المدن .
فمن كجرات عبر سيدي على نهر السند إلى لاهور ومن هناك اتجه إلى دلهى حيث بلاط السلطان همايون ، وقد استقبله السلطان بالكثير من العطف في نوفمبر من عام 1554 بل وجهد في إقناعه بالبقاء في خدمته ، غير أنه رغما من جميع عروضه المغرية فإن سيدي على غادر دلهى إلى بلاده حاملا رسالة من همايون إلى السلطان سليمان القانوني لا يزال أصلها محفوظا إلى أيامنا هذه 152 ، ووصل سيدي على إلى كابل ثم اجتاز بدخشان وختلان وبلاد ما وراء النهر وخوارزم وكان قصده أن يجتاز سهوب ( دشت ) قپچاق ليصل إلى استراخان ، غير أن العمليات العسكرية لجنود دولة المسكوف في تلك الأصقاع اضطرته إلى الرجوع القهقرى إلى خراسان ؛ وزاد في تعقيد سير الرحلة وإبطائها اشتعال نيران الحرب آنذاك بين الدولة العثمانية وبلاد الفرس . وفي قزوين تشرف على ريس بمقابلة الشاه طهماسب ولكنه لم يشأ الانضمام إلى سفارته التي بعث بها إلى السلطان سليمان بل حمل منه هو أيضا رسالة خاصة إلى السلطان لا يزال أصلها محفوظا إلى اليوم 153 . وبلغ سيدي على ريس القسطنطينية في أبريل عام 964 ه - 1557 ، ثم غادرها إلى أدرنه حيث رفع تقريره إلى السلطان سليمان ؛ وقد حظيت توضيحاته بالقبول لدى السلطان الذي لم يلبث أن عينه - - دفتردار لولاية دياريكر ؛ وقد توفى سيدي على ريس في عام 970 ه - 1562 154 .
وبفضل الترجمة القديمة الموجزة التي ندين بها للمستشرق الألماني ديتس
Dietz
فإن هذا المصنف الذي كان معروفا في المحفوظات فقط قد اجتذب أنظار أوروبا منذ عام 1811 : ثم نقل موريس
M . Morris