تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
يمثل إلى حد ما - - انتقالا جوهريا من مجال الملاحظات المتناثرة والإرصادات المبعثرة للعهود السابقة إلى مجال المعرفة المدروسة للعصور الحديثة ، ويتدارك النقص في معلوماتنا عن بلاد كبيرة وهامة كالهند ؛ هذا وينتظم مجال بحثه جميع السواحل والجزر الممتدة من جدة إلى كوريا 143 . ومما يدعو إلى الدهشة حقا أن تسجيل جميع تلك التفاصيل قد تم بتطبيق مناهج بدائية في الرصد الفلكي ورثت عن العهود الأولى لنشأة علم الفلك ولكن اعتمدت من ناحية أخرى على تجارب حافلة وخبرة طويلة لأجيال عديدة من الملاحين الفرس والعرب والهنود . ويمكن القول بأنه لم يصلنا من العهود السابقة للعهد البرتغالى أي شبيه - - لهذه الأرصاد التي تعتمد على مراقبة النجم القطبي ونجوم الدبين الأكبر والأصغر ، ولهذا السبب فإن الخارطة التي تم تصويرها بناء على ملاحظات كتاب « محيط » تكتسب أهمية كبرى لأنها تمثل ذروة ما بلغه فن الكارتوغرافيا في الشرق . أما نقطة التحول التالية لهذه في ذلك الميدان فيبصرها توماشك في الخارطات البرتغالية ، وهي تلك الخارطات الممتازة التي ظلت المرشد الأول للملاحة في بحر الهند حتى عام 1648 144 . وباكتشاف المصادر العربية « لمحيط » فقد ثبت أن ذلك التقدير والإطراء الذي تمتع به الكتاب وكان له ما يبرره إنما ينبغي أن يتجه إلى ناحية أخرى ؛ وفي أبحاثه العديدة حول هذه المسألة ابتداء من عام 1913 يصر فيران إصرارا شديدا يصل به أحيانا إلى درجة التطرف على أن « محيط » بأجمعه لا يمثل سوى ترجمة ، بل وترجمة حرفية في بعض الأحايين ، لمصنفات أحمد بن ماجد وسليمان المهري حيث لم يفعل سيدي على ريس شيئا سوى أن نقل كلا مهما بحذافيره 145 . وفي خاتمة بحث من أبحاثه الأخيرة يصرح بما نصه « لم يعد « محيط » يمثل بالنسبة لنا تلك الأهمية التي أثارها في القرن الماضي ، وذلك منذ اللحظة التي تم فيها الكشف عن أصوله العربية . وفي الواقع أن سيدي على ريس لم يفعل شيئا سوى أن ترجمتها ترجمة حرفية مع إضافات تافهة أتت بنتيجة عكسية أحيانا » 146 . إن رأى فيران هذا لا يخلو من التعسف ؛ وقد لاحظ توماشك أن سيدي على ريس قد أضاف إلى مادة مصادره الكثير من معلوماته الشخصية ، مثال ذلك ملاحظاته عن المحاصيل الرئيسية للأقطار المختلفة وعن الجهات المقابلة من الكرة الأرضية
( antipodes )
وعن اكتشافات الأسبان والبرتغاليين في « الدنيا الجديدة » 147 . وإلى هذا يضيف كاله
P . Kahle
زيادات هامة بفحصه لأوصاف الآلات الفلكية الملاحية
( nautische Instrumente )
التي يعرضها بوضوح كتاب « محيط » وكانت غير معروفة لدى العرب 148 ، ثم يبين كيف كان يعرفها المؤلف 149 - - وكيف كان يجيد استعمالها 150 . وكاله لا ينفى أن كتاب « محيط » قد فقد بوجه عام أهميته عقب العثور على مصادره العربية ، غير أن الملاحظات التي بيناها تدل على أننا بإزاء ملاج ماهر استطاع الإفادة من مصادره بالكثير من الذكاء . أما تلك الأقسام من كتابه التي لا توجد في المصادر العربية فستحفتظ على الدوام بأهميتها كاملة فير منقوصة ،
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 585 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف