وصلت إلى سورات بكجرات في حال يرثى لها ؛ وهناك اشتراها أمير سورات ووعد بإرسال ثمنها إلى القسطنطينية . ثم تم تسريح بحارتها واختار على ريس من بينهم خمسين فقط ليصحبوه في العودة إلى أرض الوطن بطريق البر ؛ وقد قوبل على ريس باحترام كبير في أحمد أباد عاصمة كجرات وأفاد من وقت فراغه هناك ، وذلك بعد ثمانية أشهر أمضاها في كفاح عنيف في البحر ، فأنهى كتابه الرئيسي في المحرم من سنة 962 ه - 1554 وهو الكتاب الذي يهمنا هاهنا والذي اشتهر بعنوانه المختصر « محيط » 128 ، أو في صورته الكاملة كما يبدو من مخطوطة فينا « المحيط في علم الأفلاك والأبحر » 129 . - - غير أن مسودته النهائية تم تدوينها عقب ذلك لأن المؤلف ذكر فيها وصفا لطريق عودته إلى أرض الوطن ، ويرجع هذا إلى عام 964 ه - 1556 130 . وهذا الكتاب لم ير النور إلى الآن في صورته الكاملة . غير أن كلا مخطوطتيه المعروفتين لنا تتمتع بقيمة كبيرة ، فإحداهما وهي مخطوطة فينا نقلت عن أصل الكتاب بديار بكر في عام 966 ه - 1559 أي والمؤلف لا يزال على قيد الحياة ؛ أما الثانية المحفوظة بنابلى فيرجع تاريخ تدوينها إلى عام 979 ه - 1571 131 . هذا وقد نشر قسما كبيرا من كتاب « محيط » في ترجمة إنجليزية وذلك في النصف الثاني من السنوات الثلاثينات للقرن التاسع عشر المستشرق همر
Hammer
132 وظلت هذه الترجمة إلى آخر ذلك القرن المصدر الوحيد للتعرف على الأثر وعلى مصادره العربية . ويمثل خطوة هامة في دراسته ما تم نشره وترجمته من أقسامه على يد بونيللى
Bonelli
وبتنر
Bittner
في منتصف السنوات التسعينات من القرن الماضي ، وأيضا بشكل خاص ذلك البحث الجغرافي الجدى الذي ندين به لقلم الخبير الكبير بالجغرافيا التاريخية توماشك
Tomaschck
133 . وكان كتاب على ريس قبل اكتشافات فيران يعد بالإجماع أتم وصف للبحار الجنوبية ، وليس هذا فحسب بل الأثر الوحيد حتى تلك اللحظة الذي يقدم لنا فكرة عما بلغته الجغرافيا الملاحية لدى المسلمين في نهاية العصور الوسطى ؛ وإلى جانب هذا فقد وضح أن المؤلف لم يكن جاهلا بأخبار اكتشاف الأسبان والبرتغاليين للعالم الجديد كما تبين أن أبعد موضع يذكره في الشرق الأقصى هو جور ( كوريا أوفورموزا ) 134 . وان نظرة عاجلة إلى فهرس موضوعات كتابه لتبين لنا دون حاجة إلى برهان أو دليل مدى اعتماده على مصادره العربية 135 .
ينقسم كتاب « محيط » إلى مقدمة وعشرة أبواب تنقسم بدورها إلى عدد من الفصول يختلف عددها من باب لآخر ؛ ففي المقدمة القصيرة يتكلم المؤلف عن الظروف التي وضع فيها كتابه ويذكر أنه اعتمد في تأليفه على محادثات مثمرة طيلة ثمانية أشهر مع « المعالمة » المهرة الذين التقى بهم في الخليج الفارسي ، وعلى تلك المصنفات العربية الخمس التي يذكرها بعناوينها ؛ واثنان من هذه المصنفات لابن ماجد أما الثلاثة الأخرى فلسليمان 136 وهي الموجودة غالبا في متناول الأيدي في الأصل الذي نشره فيران .
ويبحث الباب الأول من كتاب « محيط » في الاتجاهات الجغرافية وتقسيم القبة السماوية وأبعاد النجوم وارتفاعها ، وهنا يرد لأول مرة بالنسبة للعلم الأوروبى تفسير لفظ « إصبع » . أما في الباب الثاني فيعالج