تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
في تآليفه أي أثر لنفوذ البرتغاليين الذين حدث له وأن التقى بهم دون شك خلال أسفاره البحرية ، لأن السيادة على المياه الغربية للمحيط الهندي كانت قد انتقلت إلى أيديهم منذ بداية القرن السادس عشر كما رأينا . وقد ظلت مصنفاته عربية صرفة 119 ولكنها تقدم لنا بالطبع مزيجا مركبا
( Yathesis )
من تجربة عدد كبير من الشعوب إن لم يذكر من بينهم ممثلى العلم الغربى فقد ذكر على الأقل أهل التجربة العملية منهم ؛ ففي كلام له عن بعض المعالمة نراه يشير إلى « معالمة البحر الهندي وهم العرب والهرامزة وأهل الهند والشوليان /
cholas
سكان ساحل كروماندل / والزنوج وكذا معالمة الغرب كالمغاربة والفرنج والروميين » 120 ؛ وذكر الأخيرين يقف دليلا على أن محيط تجربته العملية كان واسعا للغاية رغما من أن مصنفاته تبدو قاحلة وفقيرة إذا ما قورنت بمصنفاته ابن ماجد من وجهة نظر الاطلاع الأدبي والمستوى الثقافي العام . ودراسة آثار ابن ماجد وسليمان لا تخلو من صعوبات معينة ، وقد أعرب دى سلان
De Slane
، وهو أول من وصف هذه المخطوطات ، عن ريبته الشديدة في إمكان فهم مادتها يوما ما ؛ وهو يقول ما نصه « إن أسلوبها يحفل بالكثير من الحوشى الغريب وتكثر به الاصطلاحات الفنية - - التي لا يتسنى فهمها إلا لملاحى المحيط الهندي دون غيرهم » 121 . ويجب في البداية أن نقف موقف المعارضة من الشطر الأول لهذه القضية ذلك لأن لغة ابن ماجد وسليمان بسيطة على وجه العموم ، هذا إذا أخذنا في حسابنا الحدود الضيقة التي أملاها الالتزام بالوزن الشعرى في معالجة موضوع فنى كهذا ؛ وقد يلاحظ أحيانا لدى ابن ماجد رغما من اطلاعه الواسع في محيط الأدب وجود بعض الألفاظ العصبة بل والخروج على الفصيح ؛ بيد أن هذه ظاهرة عادية بالنسبة للعصر والوسط الذي عاش فيه وأولى بنا أن نعجب لارتفاع مستوى أسلوبه في الكتابة . وقد رأى فيران لزاما عليه أن يصحح أيضا الشطر الثاني من حكم دى سلان تصحيحا جوهريا 122 فهو يعتقد بأن هذه المرشدات والتعليمات الملاحية والفلكية إنما عملت بواسطة ملاحين من أجل ملاحين فلا محيص من أن تكتب باللغة الملاحية الفلكية الخاصة بذلك الوسط الملاحى ، وبما أن هذه اللغة قد بقيت إلى الآونة الحاضرة مجهولة تمام الجهل ولم تخضع بعد لدراسة دقيقة فمن المنطقي أن يحتاج عدد من ألفاظها إلى إعمال الجهد وإلى البحث والتقصي ؛ وكما يبدو من مجهودات فيران ودى سوستر فإن هذه المهمة وإن كانت عسيرة للغاية إلا أنها أبعد من أن تكون مستحيلة بل كان نصيبها التوفيق في حالات عديدة وأسهمت بهذا في غنى المعجم العربي . ومهما يكن من شئ فإن الكشف عن مصنفات ابن ماجد وسليمان وإن تم للأسف في عهد متأخر إلا أنه يعتبر حدثا كبيرا ليس بالنسبة لموضوع دراستنا وحده ، أعنى الأدب العربي الذي بدت لنا فيه صفحة مشرقة لم تكن معروفة من قبل ، بل وأيضا لأن هذه المصنفات تحتل مكانة مرموقة في تاريخ الحضارة البشرية جمعاء ؛ فهي تصور لنا بدقة كبرى طبيعية الأوضاع الملاحية الأوقيانوسية في النصف الثاني