من القرن الخامس عشر وذلك في المجال البحري الممتد بين ساحل أفريقيا الشرقي ابتداء من رأس الرجاء الصالح بالتقريب وبين ميناء الزيتون الشهيرة بالصين « * » وهو يشمل البحر الأحمر والخليج الفارسي وجميع جزر المحيط الهندي وأرخبيل آسيا الشرقية باستثناء الفلبين واليابان وحدهما . وإلى جانب هذا فهي تمثل أهم مصدر للمعلومات الجغرافية التي كانت تحت تصرف العصور الوسطى المتأخرة عن البحار الجنوبية ؛ وكما اعترف ابن ماجد نفسه فهي تعتمد إلى حد ما على تلك المرشدات البحرية التي وصفها أبوه وجده من قبل وأيضا على معلومات لملاحين عاشوا في عهود سابقة لذلك ثم صححها وأضاف إليها ابن ماجد من أجل ملاحى القرن الخامس عشر . فهذه المصنفات يمكن اعتبارها إلى حد كبير جماعا للمعارف التي وجدت تحت تصرف جميع ملاحى بحر الهند بما فيهم العرب والزنوج والهنود الغربيون والشوليان والاندونيزيون بل وحتى الصينيون ، وعلى هذا فهي تمثل أهم مصدر - - لتاريخ الملاحة والتجارة في البحار الجنوبية في الفترة السابقة للفتح البرتغالى مباشرة 123 .
ومن الواضح أن ابن ماجد وسليمان المهري قد اقتصرا في مادتهما على المذهب الشرقي وحده ولا يوجد أي أثر للنفوذ البرتغالى عليهما البتة رغما من أن الثاني قد وقع نشاطه الملاحى في عهد سيطرة البرتغاليين ؛ وعلى النقيض من هذا فإن النفوذ العربي يبدو قويا على البرتغاليين الذين تعرفوا على التجربة العربية في الملاحة منذ لحظة دورانهم حول رأس الرجاء الصالح ، بل إن أقدم ما دونوه في هذا المجال يحمل آثار النفوذ العربي بوضوح أضف إلى هذا أن بعض الاصطلاحات الفنية البرتغالية ليست سوى ترجمة صرفة لمثيلاتها العربية 124 .
وإذا كان تأثير أدب الجغرافيا الملاحية العربية على أهل الغرب في القرنين الخامس عشر والسادس عشر جليا بهذا القدر فقمين أن يكون تأثيره على أهل المشرق أوسع وأعمق ؛ ويمكن تتبع هذا بصورة خاصة على الجغرافيا الملاحية في الأدب التركي التي مرت في القرن السادس عشر على فترة من الازدهار والانتعاش تدين بها ليس قليلا إلى هذه المصنفات العربية التي فرغنا للتو من الكلام عليها .
لقد حدث وأن ذكرنا أن اسمى ابن ماجد وسليمان قد وجدا طريقهما إلى الدوائر العلمية الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر بفضل كتاب ألفه الملاح والشاعر والكاتب التركي سيدي على ريس ؛ فمصنفه ، في « الأوقيانوغرافيا »
Oceanography
إذا جاز هذا التعبير ، قد اعتمد إلى حد كبير على آثار هذين المؤلفين العربيين بصورة يضحى معها من العسير في الظروف الحاضرة موافقة رأى القائلين بأصالة كتابه هذا . وعلى ممر الزمن الذي ظلت فيه هذه الآثار منزوية في طي النسيان فإن مصنفه بقي متمتعا بالإعجاب والتقدير الشديدين اللذين هو جدير بهما ؛ غير أنه حدث تبدل جوهري في الصورة بمجرد اكتشاف تلك الأصول إذ وضح أن جميع ذلك الثناء الذي أغدق عليه إنما ينبغي أن يكون في الحقيقة من نصيب تلك المصادر العربية التي اعتمد عليها . ومن ثم فقد حدث نتيجة لهذا الكشف رد فعل معين ، إذ سقطت
هامش
( * ) ورد بالكتاب سهوا الهند الصينية بدلا من الصين . ( المترجم )