للصفات التي يجب أن يتحلى بها المعلم الماهر يسوق ابن ماجد في هذا الصدد وفي القرن الخامس عشر نفس الألفاظ تقريبا التي وردت في المصنف الهندي المشهور للقرن الأول للميلاد « جاتكا مالا »
Ja ? taka - Ma ? la
106 . وبعد قرن من ابن ماجد عندما عالج أبو الفضل العلامى وزير أكبر الكلام عن المسائل البحرية في مصنفه « آئين أكبرى » عبر عن نفس تلك الآراء فيما يتعلق بصفات « المعلم » بل وبنفس الأسلوب تقريبا 107 . وبهذا نبصر أمام أعيننا كيف اندمجت عناصر مختلفة من الحضارات العربية والإيرانية والهندية على ممر قرون طويلة لتخرج لنا مزيجا مركبا في مجال الجغرافيا الملاحية 108 .
وقد حفظت ذكرى ابن ماجد إلى عصرنا هذا ، ففي الثلاثينيات من القرن الماضي وجد في يد أحد النواخذة سفر بعنوان « ماجد كتابي » محلى ببعض التصاوير ويمثل في الغالب أحد مصنفاته ، ولم يكن بوسع ذلك الملاح أن يستغنى عنه في رجعته 109 .
أما الممثل العربي الثاني للجغرافيا الملاحية الذي أصبح معروفا لنا بفضل أبحاث فيران فإنه لم يكن على ما يبدو في نفس القدر من الأصالة والإبداع كزميله السابق له . وأصل سليمان المهري من بلاد العرب أيضا فهو من مدينة الشحر على الساحل الجنوبي لحضرموت ، وقد اشتهر سكان هذه المواضع منذ القدم بالمهارة في الملاحة وكانت لهم صلات عن طريق البحر بسواحل أفريقيا الشرقية - - وأرخبيل الهند الشرقية على السواء . ومن المؤسف أنه لا توجد لدينا أية تفاصيل تتعلق بسيرة حياة هذا الملاح العربي حتى في مصنفاته نفسها ، وبهذا فإننا لا نستطيع تحديد الفترة التي عاش فيها إلا اعتمادا على تعليلات ثانوية ، فإحدى مصنفاته يرجع تاريخ تأليفه إلى عام 917 ه - 1511 110 ولكن عندما صنف سيدي على ريس كتابه « محيط » في عام 961 ه - 1554 فإن سليمان المهري لم يكن في عداد الأحياء 111 . لهذا - - فإن فترة نشاطه تقع على ما يبدو في النصف الأول من القرن السادس عشر ، أي بعد مضى بعض الوقت على رسوخ قدم البرتغاليين بالمحيط الهندي « * » .
وعلى نقيض الحال مع ابن ماجد فإن جميع المصنفات الخمس التي تبقت لنا عن سليمان المهري مكتوبة نثرا ومحفوظة بأجمعها في إحدى مخطوطتى باريس المشار إليهما ( رقم 2559 ) 112 . وهي من حيث مضمونها تكرر إلى حد كبير مادة ابن ماجد ، وليس ثمة ما يدعو إلى الكلام عليها جميعها بالتفصيل ؛ وينقسم أكبرها وهو « العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية » 113 الذي يرجع تاريخ تأليفه إلى عام 917 ه - 1511 114 إلى سبعة أبواب تنقسم بدورها إلى فصول . فالباب الأول يبحث في أصول الفلك البحري مع التعريف بمعظم الاصطلاحات التي مرت بنا ؛ وفي الباب الثاني يتحدث عن النجوم وجميع ما يتعلق بها من شؤون الملاحة ؛ أما الباب الثالث ففي الطرق البحرية الواقعة « فوق الريح وتحت الريح »
هامش
( * ) لا أدرى ما الذي دفع المؤلف مرتين إلى الكلام عن الخليج الفارسي بدلا من المحيط الهندي . وقد اعتمدت على سيال العبارة لأجرى هذا التصحيح . ( المترجم )