يقابلنا بنفس المعنى « راهدان » أو « راهدار » 24 ( أي « المرشد » أو « الدليل » ) ، ثم لفظ نال رواجا كبيرا هو « ناخدا » « * » ( وجمعها « نواخذة » ، أي « سيد السفينة » أو « صاحبها » ) 25 الذي وجد إلى جانبه لفظ عربى ذا صيغة فريدة وهو « ربّان » ( وجمعها « ربابنة » ، أي « القبطان » أو « قائد السفينة » 26 ) ولفظ آخر مجهول الأصل هو « إشتيام » ( جمعها « أشاتمة » ) 27 . ويكثر عدد هذه الألفاظ عند التعرف على الاصطلاحات الفلكية في مؤلفات ابن ماجد الذي سيرد الكلام عليه للتو ، وأهمها لفظ « خنّ » ( وجمعها « أخنان » ، ويقصد بها منازل البوصلة أو أجزاؤها
( Les rumbs de vent
28 ، ولفظ « الجاه » ( أي النجم القطبي ) 29 و « باشى » ( أي ارتفاع النجم ) 30 الخ ، وجميع هذه الألفاظ تقف دليلا قاطعا على أن العرب قد استعاروا من الفرس جميع اصطلاحات الجغرافيا الملاحية تقريبا . وفي العصور القديمة عندما - - اقتصرت الملاحة عند العرب على الملاحة الساحلية 31 فإنه لم تكن لهم معرفة بهذه الاصطلاحات ولكنهم ما لبثوا أن أخذوا شيئا فشيئا من الفرس « وردة الرياح »
( Rose de vent )
التي عرفناها من قبل في صورتها المعربة فقط ، كما أخذوا أيضا « الراهنامجات » المختلفة التي مكنتهم بالتدريج من أن يصبحوا منافسين خطيرين للفرس في الملاحة بالمحيط الهندي بأجمعه 32 .
وتوجد بالطبع أسباب أخرى غير التي ذكرناها حالت دون بقاء هذه « المرشدات » البحرية » إلى أيامنا هذه رغما من عددها الكبير . وعلى أية حال فواقع الأمر هو أننا نلتقى لأول مرة بمصنفات في هذا الصدد في حدود القرنين الخامس عشر والسادس عشر وندين بها على وجه التحديد لاثنين من المؤلفين ، وهي التي فتحت أنظارنا لأول مرة على هذا الأدب في مضمونه الواسع .
وقد ورد اسما هذين المؤلفين من وقت لآخر لدى العلماء الأوروبيين من قبل وذلك اعتمادا على المصادر التركية ، غير أن معرفة الدوائر العلمية بآثارهما معرفة مباشرة إنما تدين بها إلى المستشرق الفرنسي غابرييل فيران
G Feirand
وهو عالم ممتاز تركز نشاطه العلمي في الثلث الأول من القرن العشرين ويعد من كبار المتخصصين في الجغرافيا التاريخية للمحيط الهندي والجزائر الشرقية المنتشرة من ساحل أفريقيا الشرق إلى سواحل الصين . ويعتمد نشاطه العلمي في هذا المجال على تدريب بعيد المدى وسعة في الأفق العلمي لا مثيل لها ؛ وقد كان فيران في بادئ الأمر من تلامذة رينيه باسيه
R . Bassct
وتخرج عليه في محيط الدراسات العربية والإفريقية ثم أمضى جميع حياته بالتقريب في الخدمة الدبلوماسية بالمستعمرات الفرنسية بالمحيط الهندي من مدغشقر إلى الهند الصينية ؛ وتمثل أهمية كبيرة في هذا الصدد دراساته عن اللغة الملغاشية وآثار مدغشقر القديمة . ولم يلبث أن اجتذبه هذا الاتجاه إلى الاهتمام بأرخبيل الملايو ودفعه لا إلى دراسة لغة الملايو وحدها بل ولغات الشرق الأقصى الأخرى وإلى التعرف على تاريخ تطور علم الفلك في تلك النواحي ؛
هامش
( * ) ناخذا ومصطلحاتها المتعددة الأخرى ناخذاه وناخوذا وناخوذة وناوخذا بالذال أو الدال معرب الفارسية نارخدا أي سيد السفينة . ( المترجم )