ولا يمكن القول بأن هذا الضرب من الأدب كان فقيرا ، فابن ماجد الذي سيمر بنا الكلام عليه يشير مثلا إلى ثلاثة مؤلفين من العصر العباسي من السابقين له في هذا المضمار وهم محمد بن شاذان وسهل بن أبان والليث بن كهلان 8 . غير أنه لم يصلنا من هؤلاء المؤلفين أثر ما ، كما وأن معرفتنا بالفترة الأولى لهذا الأدب إنما مستقاة بأجمعها تقريبا من الآثار التي دونت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر . أضف إلى هذا أن تأثير ذلك الأدب الأول على المدرسة الكلاسيكية للجغرافيا وعلى الأدب الكوزموغرافى فيما بعد لم يكن شيئا مذكورا ؛ غير أنه لا يمكن إرجاع هذا إلى الجهل به بقدر ما يمكن إرجاعه إلى عامل جوهري هو أن النظريات التجريبية لهؤلاء الملاحين قد سارت في وجهة مضادة تماما لوجهات النظر العلمية التي سادت في تلك الأزمنة والتي ترتفع أساسا إلى المذهب اليوناني أو إلى التصورات الموجودة بالتوراة . فكبار الجغرافيين قد عرفوا هؤلاء الملاحين وعرفوا آثارهم ، وهم لم يستطيعوا موافقتهم في أحوال معينة على أهمية المعلومات التي يوردونها أو الاستقراءات الكارتوغرافية التي ينبغي استخراجها منها . ويقص علينا المقدسي بحيوية فائقة عن ملاحظاته على سواحل جزيرة العرب من القلزم إلى عبّادان وعن آثار مدونة كان يستعملها الملاحون وعن محادثة له مع شيخ عارف بصورة البحر 9 ؛ ثم يخرج من كل هذا بنتيجة مؤداها أن هذه المعلومات مخالفة للتصورات الجغرافية المعروفة آنذاك . ولنستمع إليه يقول :
« وأما أنا فسرت فيه نحو ألفي فرسخ ودرت على الجزيرة كلها من القلزم إلى عبّادان سوى ما توّهت بنا المراكب إلى جزائره ولججه وصاحبت مشايخ فيه ولدوا ونشئوا من ربّانيين وأشاتمة . . . ووكلاء وتجار ورأينهم من أبصر الناس به وبمراسيه وأرياحه وجزائره فسألتهم عنه وعن أسبابه وحدوده ورأيت معهم دفاتر في ذلك يتدارسونها ويعوّلون عليها ويعملون بما فيها فعلّقت من ذلك صدرا صالحا بعد ما ميزت وتدبرت ثم قابلته بالصور التي ذكرت وبينا أنا يوما جالس مع أبي - - على ابن حازم أنظر في البحر ونحن بساحل عدن إذ قال لي مالي أراك متفكرا ؟ قلت أيد اللّه الشيخ ، قد حار عقلي في هذا البحر لكثرة الاختلاف فيه والشيخ اليوم من أعلم الناس به لأنه أمام التجار ومراكبه أبدا تسافر إلى أقاصيه فإن رأى أن يصفه لي صفة أعتمد عليها وأرجع من الشك إليها فعل ، فقال على الخبير بها سقطت ثم مسح الرمل بكفه ورسم البحر عليه لاطليسان 10 ولاطير 11 وجعل له معارج متلسنة وشعبا عدّة ثم قال هذه صفة البحر لا صورة له غيرها . وأنا أصوره ساذجا وأدع الشعب والخلجان إلا شعبة ويلة لشهرتها وشدة الحاجة إلى معرفتها وكثرة الأسفار فيها وأدع ما اختلفوا فيه وارسم ما اتفقوا عليه » 12 .
وهو يذكر عن قصد ولكن ليس دونه سخرية أن هذا الشيخ العارف بالبحر قد صور له البحر دون « طيلسان » أو « طير » . ولعله لم يغب عن ذاكرتنا أن اللفظ الأول أي « طيلسان » كان يستعمل في مصورات الخوارزمي التي تطورت عن بطلميوس ، هذا في حين ينبغي أن نبصر في لفظ « الطير » إشارة إلى نظرية وجدت عند الأمم السامية وسردها عدد من الجغرافيين العرب وهي تصور الأرض في صورة طائر ؛ وقد
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 565
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٥٦٥