تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
وتواريخ المصنفات الأولى من طراز « الرهنامجات » غير معروفة لنا بطبيعة الحال ولكن يغلب الظن بأنها ظهرت في وقت واحد مع القصص البحرية في القرنين التاسع والعاشر . ومعروف لنا إلى جانب هذا وصف رحلة خواشير بن يوسف الأركى الذي أبحر على سفينة دبوكره الهندي في بداية القرن الحادي عشر 16 ، كما يمكن أن نرجع إلى نهاية ذلك القرن أو بداية القرن الثاني عشر تاريخ حياة المعلمين الثلاثة المشهورين 17 الذين يدعوهم ابن ماجد بأشياخه ؛ وقد وقع بصر هذا الأخير على « رهنامج » في مخطوطة يمتلكها حفيد أحدهم يرجع تاريخها إلى عام 580 ه - 1184 18 . ولفظ « رهنامج » الذي أطلق على هذا النمط من المؤلفات قد اكتسب في ذلك العهد انتشارا واسعا خرج به من الحدود الضيقة للأوساط الملاحية ، فهو يظهر في صورة « رهنامه » لدى الشاعر الفارسي نظامى وذلك في ملحمته المشهورة « اسكندرنامه » حوالي عام 578 ه - 1191 19 . وكان ابن المحاور وهو مؤلف معروف لنا بما يقدمه - - من معلومات قيمة عن سكان جنوب الجزيرة العربية ( حوالي عام 630 ه - 1233 ) على معرفة جيدة بالجغرافيا الملاحية بل ويورد لنا شذرة نقلها عن « مؤلف كتاب الرهمانج » يدور فيها الكلام عن بعض طيور البحر التي تشير إلى قرب الساحل 20 ؛ ولم يلبث هذا اللفظ أن تم الاعتراف به في اللغة العربية نفسها وظل معمولا به إلى الوقت الحاضر ، وفي أواخر القرن السابع عشر يشرحه لنا إلى جانب اصطلاحات ملاحية أخرى مؤلف « تاج العروس » « * » 21 الذي يرجع أصله كما نعلم جيدا إلى زبيد في جنوب الجزيرة العربية وعرف عنه ميل شديد إلى البحر . هذا وقد وضح المستشرق الفرنسي فيران 22 بالتفصيل الأشكال المختلفة التي ورد فيها هذا اللفظ وبين أصلها ؛ وهو يرتفع أساسا إلى الفارسية الوسطى ( البهلوية ) « راهنمك » التي تحولت في الفارسية الحديثة إلى « راهنامه » . أما في الوسط العربي فإلى جانب الشكل العادي « راهنامج » يقابلنا أيضا الشكل المقلوب
( me ? tathe ? tique )
« رهمانج » ( وجمعه « رهمانجات » ) ، والشكل الذي تطور عنه فيما بعد وهو « رهمانى » بل وحتى أيضا « رماني » . وجميع هذه الألفاظ كان يقصد بها في عهد ابن ماجد ضرب من « المرشدات البحرية » أشبه « بالبورتولانات »
Portulans
23 . إن هذه التسميات تقف خير دليل يشير إلى الوسط الذي ظهرت فيه هذه المرشدات البحرية وإلى أي حد كانت مشحونة بالألفاظ الفارسية فيما يتعلق بالاصطلاحات البحرية أو المتصلة بالبحر ؛ وعدد هذه المصطلحات كبير للغاية بحيث نجد أنفسنا مضطرين إلى الاكتفاء بنماذج معينة منها . فإلى جانب « الراهنامج »
هامش
( * ) جاء في « تاج العروس في شرح القاموس » للسيد مرتضى الزبيدي ( ص 51 من الجزء الثاني ) ما نصه : « الراهنامج بسكون الهاء وفتح الميم فارسية استعملها العرب وأصلها راه نامه ومعناه كتاب الطريق لأن راه هو الطريق ونامه الكتاب وهو الكتاب الذي يسلك به الربابنة جمع الربان كرمان العالم في سفر البحر ويهتدون به في معرفة المراسى وغيرها كالشعب ونحو ذلك » . بل إن القاموس نفسه يورد هذا اللفظ فقد جاء فيه « الراهنامج كتاب الطريق وهو الكتاب يسلك به الربابنة البحر ويهتدون به في معرفة المراسى وغيرها » . ( المترجم )