تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
حدث وأن وقفنا عند ذلك فيما مر من هذا الكتاب . ونفس موقف المقدسي هذا يقفه المسعودي أيضا الذي وإن اعترف بأهمية المعرفة العملية في هذا المجال إلا أنه يقرر أن معلومات « ربابنة » سيراف وعمان عن المحيط الهندي لا تتفق مع نظريات « الفلاسفة » ، بل ويضيف إلى ذلك أن هذا الحكم يصدق أيضا على البحر الأبيض المتوسط وذلك وفقا لما سمعه من ملاحى الشام الذين عرفوه جيدا والذين يذكر من بينهم اثنين . ونص متنه كالآتى 13 : « ووجدت نواخذة بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقلزم والحبشة من السيرافيين والعمانيين عن البحر الحبشي في أغلب الأمور على خلاف ما ذكرته الفلاسفة وغيرهم ممن حكينا عنهم المقادير والمساحة وأن ذلك لا غاية له في مواضع منه وكذلك شاهدت أرباب المراكب في البحر الرومي من الحربية والعمالة والنواتية وأصحاب الأرجل والروسا ومن يلي تدبير المراكب والحرب فيها مثل لاوى المكنى بأبى الحارث غلام زرافة صاحب طرابلس الشام من ساحل دمشق وذلك بعد الثلاث ماية [ د . 912 ] يعظمون - - طول البحر الرومي وعرضه وكثرة خلجانه وتشعبه وعلى هذا وجدت عبد اللّه بن وزير صاحب مدينة جبلة من ساحل حمص من أرض الشام ولم يبق في هذا الوقت وهو سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة أبصر منه بالبحر الرومي ولا أسن منه وليس فيمن يركبه من أرباب المراكب من الحربية والعمالة إلا وهو ينقاد إلى قوله ويقر له بالبصر والحذق وما هو عليه من الديانة والجهاد القديم فيه » 14 . وأغلب الظن أن آراء المقدسي والمسعودي إنما تمثل في هذا الصدد شيئا أقرب إلى الاستثناء منه إلى قاعدة عامة يتفق عليها الجغرافيون أصحاب الكتب . وفي الواقع أن الاختلاف الهائل بين النظرية والتطبيق العملي يبدو جليا هاهنا بصورة قاطعة ولم يكن في صالح الأخير ؛ وجميع الأدب الذي ينتمى إلى هذا الميدان أي ميدان الجغرافيا الملاحية لم يجد طريقه إلى الأدب الواسع المدون ولهذا السبب فإنه لم يصل إلى أيدينا . ويمكن القول بالكثير من الدقة أن موطن نشأة أدب المرشدات البحرية « الرهنانجات » ، بل وأيضا موطن القصص البحرية التي سبق وأن أشرنا إليها ، هو سيراف وعمان ، ويشير إلى هذا بوضوح من بين عوامل أخرى ورود ذكر « السيرافيين » و « العمانيين » في نص المسعودي الذي مر بنا قبل قليل . ومن المعلوم جيدا أن سيراف كانت لعهد طويل مركزا للتجارة البحرية ومنها كانت تخرج السفن إلى جنوبي آسيا والجزر الشرقية وإلى سواحل أفريقيا الشرقية ؛ ولما بدأ دور سيراف يضمحل بابتداء سيادة البويهيين ( حوالي عام 320 ه - 932 ) رحل جانب من سكانها إلى عمان خاصة عقب نكبة الزلازل الكبرى في عام 366 ه - 367 ه - 977 « * » - 978 15 .
هامش
( * ) هذه القراءة أفضل من عام 976 التي وردت في الأصل الروسى . ( المترجم )