تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
وكان لاتساع الأفق الجغرافي بأوروبا والذي بخلاف ما عليه الحال في العالم العربي قد انعكس في الجانبين العملي والعلمي أن وضح سريعا - - أن معظم الآثار الجغرافية سواء الموضوعة منها بأوروبا أو المدونة بالشرق لم تعد تفي بالمطلوب ؛ ولعل هذا كان من الأسباب التي دعت في ذلك العصر بالذات إلى التوقف بشكل نهائي عن وضع مؤلفات في الفلك والجغرافيا العامة تقوم على المذهب القديم 7 ، ذلك أن الحاجة إليها قد سقطت في الشرق والغرب معا خاصة وأن الغرب لم يعد تلميذا للشرق كما كان عليه الحال من قبل بل أخذ يسير في اتجاهه الخاص به . ورغما من ذلك فقد وجد ميدان آخر في هذا العصر بالذات ، أي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، أبرز لنا فيه الأدب الجغرافي العربي مؤلفين كبارا ومصنفات ذات شهرة أعنى بذلك ميدان الجغرافيا الملاحية . ونظرا لأنها ظهرت في المنطقة الجغرافية للمحيط الهندي والبحار والخلجان المتفرعة منه وذلك في تلك اللحظة بالذات التي حدث فيها الاتصال بين أوروبا وآسيا فإنها تعكس ظروفا مغايرة لتلك التي تم فيها الاتصال بين الغرب والشرق في أزمنة سابقة على هذه . وفيها نتشابك المصنفات العربية بالمصنفات التركية في وحدة متماسكة بحيث يضحى من المستحيل فصلها عن بعضها البعض دون أن يحدث ذلك خللا في سير تطورها العام . ويجب ألا ندهش للازدهار الكبير في هذا الميدان إذا ما تذكرنا إلى أي حد ارتبط ذلك بواقع الأحوال في ذلك العصر وبطبيعة الحياة نفسها آنذاك ، بيد أن هذا لا يعنى إطلاقا أن الجغرافيا الملاحية قد برزت في تلك الظروف التاريخية فجأة وكأنها من العدم إذ على العكس من ذلك نجد لها جذورا ممعنة في القدم في الأدب العربي ولو أن حلقات تطورها لم تحفظ لنا جميعها ، وينبغي أن نبين باختصار الخطوط العريضة لهذا التطور حتى نتمكن من تقدير هذه الظاهرة تقديرا صحيحا فهي تكاد تكون أهم ظاهرة في الأدب الجغرافي للقرنين الخامس عشر والسادس عشر . وفي خط من خطوط تطورها لا ترتبط هذه الجغرافيا الملاحية بالمدرسة الكلاسيكية للجغرافيين العرب التي غلب عليها الطابع العلمي بعض الشئ بقدر ما ترتبط بتلك المجموعة من القصص والأسفار البحرية للقرنين العاشر والحادي عشر من أمثال قصص التاجر سليمان وأبى زيد السيرافى بل وحتى « عجائب الهند » لبزرج بن شهريار مما حدث وأن وقفنا عنده بالتفصيل . غير أن هذه كانت في واقع الأمر مجرد حكايات ذات أهداف أدبية فنية في بعض الأحيان ولم تكن مداخل علمية أو عملية مثل التي سيرد الكلام عليها ؛ ذلك أنه وجد في وسط ملاحى الخليج الفارسي والمحيط الهندي والبحر الأحمر إلى جانب هذه القصص والأسفار أدب المرشدات البحرية وهي ما أطلق عليها اسم « الراهنامج » أو « الرهمانى » ، وكانت تحوى خبرة الربابنة في جميع المسائل الملاحية بما في ذلك دون ريب دلائل الطرق البحرية
( Routier )
.
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 564 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف