ثم رجع إلى بني إسرائيل ، فقال : * ( ولقد اخترانهم على علمٍ ) * علمه الله عز وجل
منهم ، * ( على العالمين ) * [ آية : 32 ] ، يعني عالم ذلك الزمان .
* ( وءاتينهم ) * ، يقول : وأعطيناهم * ( من الآيات ) * حين فلق البحر وأهلك عدوهم
فرعون ، وظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، والحجر والعمود والتوراة ،
فيها بيان كل شئ ، فكل هذا الخير ابتلاهم الله به ، فلم يشكروا ربهم ، فذلك قوله :
* ( وءاتينهم من الأيات ) * * ( ما فيه بلؤاٌ مبينٌ ) * [ آية : 33 ] ، يعني النعم البينة ، كقوله :
* ( إن هذا لهو البلاء المبين ) * [ الصافات : 106 ] ، يعني النعم البينة .
قوله : * ( إن هؤلاء ليقولون ) * [ آية : 34 ] ، يعني كفار مكة .
* ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) * ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم :
إنكم تبعثون من بعد
الموت ' ، فكذبوه ، فقالوا : إن هي إلا حياتنا الدنيا ، * ( وما نحن بمنشرين ) * [ آية : 35 ] ،
يعني بمبعوثين من بعد الموت .
ثم قال : * ( فأتوا بئابائنا إن كنتم صادقين ) * [ آية : 36 ] ، أنا نحيا من بعد الموت ، وذلك
أن أبا جهل بن هشام قال في الرعد : يا محمد ، إن كنت نبياً فابعث لنا رجلين أو ثلاثة
ممن مات من آبائنا ، منهم قضي بن كلاب ، فإنه كان صادقاً ، وكان إمامهم ، فنسألهم
فيخبرونا عن ما هو كائن بعد الموت ، أحق ما تقول أم باطل ؟ إن كنت صادقاً بأن البعث
حق ، نظيرها في الجاثية قوله : * ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) * [ الجاثية : 24 ] ، وما البعث بحق .
فخوفوهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية ، فقال : * ( أهم خير أم قوم تبع ) * ؛ لأن قوم
تبع أقرب في الهلاك إلى كفار مكة ، * ( والذين من قبلهم ) * من الأمم الخالية ، * ( أهلكناهم ) *
بالعذاب ، * ( إنهم كانوا مجرمين ) * [ آية : 37 ] ، يعني مذنبين مقيمين على الشرك منهمكين
عليه .
قوله : * ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) * [ آية : 38 ] ، يعني عابثين لغير
شئ ، يقول : لم أخلقهما باطلاً ، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن .
* ( ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم ) * ، يعني كفار مكة ، * ( لا يعلمون ) * [ آية :
39 ] ، أنهما لم يخلقا باطلاً .
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 206
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٢٠٦