نقصاناً في الشاهد ، لأن الزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في
الدارين . والمال الحاصل من الربا لا بركة له ، لأنه حصل من مخالفة الحق فتكون
عاقبته وخيمة وصاحبه يرتكب سائر المعاصي إذ كل طعام يولد في أكله دواعي وأفعالاً
من جنسه ، فإن كان حراماً يدعوه إلى أفعال محرمة ، وإن كان مكروهاً فإلى أفعال
مكروهة ، وإن كان مباحاً فإلى مباحة ، وإن كان من طعام الفضل فإلى مندوبات ، وكان
في أفعاله متبرعاً متفضلاً ، وإن كان بقدر الواجب من الحقوق فأفعاله تكون واجبة
ضرورية ، وإن كان من الفضول والحظوظ فأفعاله تكون كذلك ، فعليه إثم الربا وآثار
أفعاله المحرمة المتولدة من أكله على ما ورد في الحديث : ' الذنب بعد الذنب عقوبة
للذنب الأول ' ، فتزداد عقوباته وآثامه أبداً ، ويتلف الله ماله في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه
وأولاده فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو المحق الكلي . وأما المتصدق ،
فلكون ماله مزكى ، يبارك الله في تثميره مع حفظ الأصل وآكله لا يكون إلا مطيعاً في
أفعاله ، ويبقى ماله في أعقابه وأولاده منتفعاً به وذلك هو الزيادة في الحقيقة ، ولو لم
تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة الله لكفى به زيادة ، وأي زيادة أفضل مما تبقى عند
الله ، ولو لم يكن نقصان الربا إلا حصوله من مخالفة الله وارتكاب نهيه لكفى به
نقصاً ، وأي نقصان أفحش مما يكون سبب حجاب صاحبه وعذابه ونقصان حظه عند
الله . * ( والله لا يحب كل كفار أثيم ) * أي : آكل الربا كفار أثيم بفعله والله لا يحب من
كان كذلك .
[ تفسير سورة البقرة آية 284 ]
* ( لله ما في السماوات ) * أي : في العالم الروحاني كله ، بواطنه وصفاته وأستار
غيوبه ودفائن وجوده * ( وما في الأرض ) * أي : في العالم الجسماني كله ظواهره
وأسماؤه وأفعاله ، تشهد العالمين ، وهو على كل شيء شهيد * ( وإن تبدوا ما في أنفسكم ) * يشهده بأسمائه وظواهره ، فيعلمه ويحاسبكم به ، وإن تخفوه يشهده بصفاته
وبواطنه فيعلمه ويحاسبكم به * ( فيغفر لمن يشاء ) * لتوحيده وقوة يقينه ، وعروض
سيئاته ، وعدم رسوخها في ذاته ، فإن مشيئته مبنية على حكمته * ( ويعذب من يشاء ) *
لفساد اعتقاده ، ووجود شكه ، أو رسوخ سيئاته في نفسه * ( والله على كل شيء قدير ) *
فيقدر على المغفرة والتعذيب جميعاً .
[ تفسير سورة البقرة من آية 285 إلى آية 286 ]
تفسير ابن عربي — صفحة 114
مساهمون: ابن عربي
ص١١٤