وتنغص ، ولم يقع في مقابلة الفرح الحاصل من القول الجميل ، ولو لم يكن مع
التنغيص أيضاً لأن الروحانيات أشرف وأحسن وأوقع في النفوس * ( والله غني ) * عن
الصدقة المقرونة بالأذى ، فيعطي المستحق من خزائن غيبه * ( حليم ) * لا يعاجل
بالعقوبة .
* ( مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ) * هذا هو القسم الثاني من الإنفاق .
فضله على الأول بتشبيهه بالجنة ، فإن الجنة مع إيتاء أكلها تبقى بحالها بخلاف الحبة ،
فأشار بها أنه ملك لهم كأنه صفة ذاتية ولهذا قال : * ( وتثبيتا من أنفسهم ) * أي : توطيناً
لها على الجود الذي هو صفة ربانية ، وقوله : * ( بربوة ) * إشارة إلى ارتفاع رتبة هذا
الإنفاق وارتقائه عن درجة الأول * ( أصابها وابل ) * أي : لاحظ
كثير من صفة الرحمة
الرحمانية ومدد وافر من فيض جوده لأنها ملكة الاتصال بالله تعالى بمناسبة الوصف
واستعداد قبوله والاتصاف به * ( فإن لم يصبها وابل ) * أي : لاحظ
كثير ، فحظ قليل * ( والله بما تعملون بصير ) * بأعمالكم يرى أنها من أي القبيل .
[ تفسير سورة البقرة من آية 266 إلى آية 268
* ( أيود أحدكم ) * تمثيل لحال من عمل صالحاً إنفاقاً كان أو غيره متقرباً به إلى
الله مبتغياً رضاه ، كما في هذا القسم من الإنفاق ، ثم ظهرت نفسه فيه ، وتحركت ،
فكانت حركاتها المتخالفة بحركة الروح ودواعيها المتفاوتة المضادة لداعية القلب
إعصاراً ، فافترض الشيطان حركتها واتخذها مجالاً له بالوسوسة ، فنفث فيها رؤية
عملها أو رياء فكان ذلك النفث ناراً أحرقت عملها أحوج ما يكون إليه ، كما قال أمير
المؤمنين علي عليه السلام : ' اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي ' .
* ( انققوا من طيبات ما كسبتم ) * أمر بالقسم الثالث من الإنفاق من طيبات ما
كسبتم ، إذ المختار بالله يختار الأشرف من كل شيء للمناسبة كما قال أمير المؤمنين
علي عليه السلام : ' إن الله جميل يحب الجمال ' ومن كان في إنفاقه بالنفس لا يقدر
على إنفاق الأشرف لضن النفس ومحبتها إياه ، واستئثارها به عن تخصيصه بالله ، فما
تفسير ابن عربي — صفحة 110
مساهمون: ابن عربي
ص١١٠