وأن تكون أعمارهم في ذلك الزمان كانت طويلة * ( ثم بعثه ) * بالحياة الحقيقية وطلب
منه الوقوف على مدة اللبث فما ظنها إلا يوماً أو بعض يوم ، استصغاراً لمدة اللبث في
موت الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية ولعدم شعوره بمرور المدة كالنائم
الغافل عن الزمان ومروره . ثم لما تفكر نبهه الله تعالى على طول مدة الجهل وموت
الغفلة ، بأنه مائة عام ، أو أماته بالموت الإرادي في إحدى المدد المذكورة ، فتكون
المدة زمان رياضته وسلوكه ومجاهدته في سبيل الله ، أو أماته حتف أنفه بالموت
الطبيعي فتعلق روحه ببدن آخر من جنسه لاكتساب الكمال إما بعد زمان وإما في
الحال حتى مر عليه إحدى المدد الثلاث المذكورة ، وهو لا يطلع على حاله فيها ،
ولم يشعر بمبدئه ومعاده وكان ميتاً ثم بالحياة الحقيقية فاطلع بنور العلم على حاله
وعرف مبدأه ومعاده .
وقوله : * ( لبثت يوما أو بعض يوم ) * كقوله تعالى : * ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ) * [ يونس ، الآية : 45 ] ، وقوله تعالى : * ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو
ضحاها 46 ) * [ النازعات ، الآية : 46 ] ، وقوله : * ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) * [ الروم ، الآية : 55 ] كل ذلك لغفلتهم عن مرور الزمان وكذا مفارق أخاً أو
مصاحباً أو شيئاً آخر إذا أدرك الوصال بعد طول مدة الفراق كأن تلك المدة حينئذ لم
تكن ، إذ لا يحس بها بعد مضيها وإن قاساها قبل الوصال * ( وانظر إلى طعامك
وشرابك لم يتسنه ) * قيل : طعامه التين والعنب ، وشرابه الخمر واللبن ، فالتين إشارة
إلى المدركات الكلية لكونه لباً كله ، وكون الجزئيات فيها بالقوة ، كالحبات التي في
التين ، والعنب إشارة إلى الجزئيات لبقاء اللواحق المادية معها في الإدراك كالثجير
والعجم . واللبن إشارة إلى العلم النافع كالشرائع . والخمر إشارة إلى العشق والإرادة
وعلوم المعارف والحقائق . لم يتسنه أي : لم يتغير عما كان في الأزل بحسب الفطرة
مودعاً فيك ، فإن العلوم مخزونة في كل نفس بحسب استعدادها ، كما قال
صلى الله عليه وسلم : ' الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ' . فإن حجبت بالمواد وخفيت مدة
بالتقلب في البرازخ وظلماتها ، لم تبطل ولم تتغير عن حالها . حتى إذا رفع الحجاب
بصفاء القلب ظهرت كما كانت ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ' الحكمة ضالة المؤمن ' .
* ( وانظر إلى حمارك ) * أي : بدنك بحاله على الوجه الأول والثاني ، وكيف
نخرت عظامه وبليت على الوجه الثالث * ( ولنجعلك آية للناس ) * أي : ولنجعلك دليلاً
للناس على البعث ، بعثناك * ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) * أي : نرفعها * ( ثم نكسوها لحما ) * على كلا الوجهين ظاهر ، فإنه إذا بعث وعلم حاله وتجرده عن البدن
تفسير ابن عربي — صفحة 107
مساهمون: ابن عربي
ص١٠٧