[ تفسير سورة البقرة من آية 261 إلى آية 262 ]
* ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) * ذكر سبحانه ثلاث إنفاقات وفاضل
بينها في الجزاء ، أولها : الإنفاق في سبيل الله وهو إنفاق في عالم الملك عن تجلي
الأفعال يعطيه صاحبه ليثيبه الله تعالى ، فأثابه سبعمائة أضعاف ما أعطى ثم زاد في
الأضعاف إلى ما لا يتناهى بحسب المشيئة لأن يده تعالى أبسط وأطول من يده بما لا
يتناهى . * ( والله واسع ) * كثير العطاء ، لا يتقدر بأعطيتنا عطاؤه * ( عليم ) * بنيات المعطين
واعتقاداتهم أنه من فضل الله تعالى ، فيثيبهم على حسب ذلك . وثانيها : الإنفاق عن
مقام مشاهدة الصفات على ما سيأتي ، وهو الإنفاق لطلب رضاء الله كما أن الأولى هو
الإنفاق لطلب عطاء الله . وثالثها : الإنفاق بالله ، وهو عن مقام شهود الذات * ( ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ) * نبه على أن الإنفاق يبطله المن والأذى ، لأن الإنفاق
إنما يكون محموداً لثلاثة أوجه : كونه موافقاً للأمر بالنسبة إلى الله تعالى ، وكونه مزيلاً
لرذيلة البخل بالنسبة إلى نفس المنفق ، وكونه نافعاً مريحاً بالنسبة إلى المستحق . فإذا
من صاحبه فقد خالف أمر الله لأنه منهي وظهرت نفسه بالاستطالة والاعتداد بالنعمة
والعجب والاحتجاب بفعلها ورؤية النعمة منها لا من الله ، وكلها رذائل أردأ من
البخل ، لازمة له ، ولو لم يكن له إلا رؤية نفسه بالفضيلة لكفاه مبطلاً . وأما الوجه
الثالث الذي هو بالنسبة إلى المستحق ، فيبطله الأذى المنافي للراحة والنفع والمن أيضاً
مبطل له لاقتضائه الترفع وإظهار الاصطناع وإثبات حق عليه .
[ تفسير سورة البقرة من آية 263 ] إلى آية 265
ثم قال : * ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) * إذ القول الجميل ،
وإن كان بالرد ، يفرح قلبه ، ويروح روحه ، والصدقة إنما تنفع جسده ولا تفرح القلب
إلا بالتبعية وتصور النفع ، فإذا قارن ما ينفع الجسد ما يؤذي الروح تكدر النفع
تفسير ابن عربي — صفحة 109
مساهمون: ابن عربي
ص١٠٩