وأعمالهم وحسناتهم وسيئاتهم وإخلاصهم ونفاقهم وغير ذلك بنور الحق ، وأمته
يعرفون ذلك من سائر الأمم بنوره .
* ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم ) * بالعلم التفصيلي التابع لوقوع
المعلوم لا العلم السابق في عين جميع أول الوجود فإنه معلوم له بذلك العلم قبل
وجوده ، لأن العلم كله له لا علم لأحد غيره . فعلومنا التي نعلم بها الأشياء تظهر
على مظاهرنا من علمه وذلك علمه التفصيلي أي : علمه في تفاصيل الموجودات . فهو
يعلم بذلك العلم التفصيلي الظاهر في مظاهرنا الأشياء بعد وجودها ، كما يعلمها بالعلم
الأول الذي هو في عين الجمع قبل وجودها .
* ( من يتبع الرسول ) * في توحيده * ( ممن ينقلب على عقبيه ) * لاحتجابه بالتقييد
بالدين * ( وإن كانت لكبيرة ) * أي : أنه كانت التحويلة لكبيرة لشاقة ثقيلة * ( إلا على الذين ) * هداهم الله إلى التوحيد ونجاهم عن الاحتجاب بالتقييد * ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) * أي : صلاتكم إلى بيت المقدس لكونها لله ، وإذا كانت له فحيثما توجهتم
قبلها . ولعمري إنها إنما شقت على طائفتين : المحجوبين بالحق عن الخلق ،
والمحجوبين بالخلق عن الحق . فإن الأولى عرفت أن التحويلة الأولى التي كانت من
الكعبة إلى بيت المقدس هي صورة العروج من مقام القلب والسر ، أي : المكاشفة
والمكالمة إلى مقام الروح والخفاء ، أي : المشاهدة والمعاينة فحسبوا التحويلة الثانية
التي كانت صورة الرجوع إلى مقام القلب حالة الاستقامة والتمكين للدعوة والنبوة
ومشاهدة الجمع في عين التفصيل ، والتفصيل في عين الجمع ، حيث لا احتجاب عن
الخلق بالحق ، ولا عن الحق بالخلق ، هو النزول بعد العروج ، والبعد بعد القرب .
وظنوا ضياع السعي إلى المقام الأشرف وحصول الهجر بعد الوصول ، والسقوط عن
الرتبة ، فشق عليهم ذلك . وأما الطائفة الثانية فتقيدوا بصورة نسكهم وعملهم وما عرفوا
حكمة التحويلة ، فظنوا صحة العبادة الثانية دون الأولى ، فشق عليهم ضياعها وبطلانها
الذي توهموه فهدينا إلى خلاف ما توهموه بما فهم من الآية . * ( إن الله بالناس لرؤوف ) * يرؤف بهم بشرح الصدر ، ورفع الحجاب حال البقاء بعد الفناء للأولى ،
وبقبول ما عملت الثانية بصدقهم ، وإن لم يعلموا ما يفعلون * ( رحيم ) * يرحمهم
بالوجود الحقاني للأولى وثواب الأعمال والهداية إلى الحقيقة للثانية ، وتوفيقهم للترقي
من حالهم ومقامهم إلى مقام اليقين .
تفسير ابن عربي — صفحة 78
مساهمون: ابن عربي
ص٧٨