* ( قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ) * ألم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من
مبدأ فطرتكم خطوات يسيرة ، بحيث إذا ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر
القوى وتخلصتم عن قيود الهوى ، وتقويتم بإمداد أعوانكم القوى الروحانية ، ونصرتم
بأنوار القلب ، فخرجتم عن القرية ، الظالم أهلها ، التي هي مدينة النفس إلى بلد القلب
الطيبة ، فتداركتكم رحمة ربكم الغفور * ( فأولئك مأواهم جهنم ) * نفوسهم الشديدة
التوقان مع حصول الحرمان * ( وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال ) * أي : أقوياء
الاستعداد الذين قويت قواهم الشهوية والغضبية مع قوة استعدادهم فلم يقدروا على
قمعها في سلوك طريق الحق ولم يذهبوا لقواهم الوهمية والخيالية ، فيبطلوا
استعداداتهم بالعقائد الفاسدة فبقوا في أسر قواهم البدنية مع تنور استعدادهم بنور العلم
وعجزهم عن السلوك برفع القيود * ( والنساء ) * أي : القاصرين الاستعداد عن درك
الكمال العلمي ، وسلوك طريق التحقيق ، الضعفاء القوى والأحلام ، الذين قال في
حقهم : ' أكثر أهل الجنة البله ' . * ( والولدان ) * أي : الناقصين القاصرين عن بلوغ درجة
الكمال لغيرة تلحقهم من قبل صفات النفس * ( لا يستطيعون حيلة ) * لعدم قدرتهم
وعجزهم عن كسر صفات النفس وقمع الهوى بالرياضة * ( ولا يهتدون سبيلا ) * لعدم
علمهم بكيفية السلوك وحرمانهم عن نور الهداية الشرعية * ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) * بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها وسلامة عقائدهم * ( وكان الله عفوا ) *
العفو عن الذنوب ما دامت الفطرة لم تتغير * ( غفورا ) * يستر بنور صفاته صفات
نفوسهم .
[ تفسير سورة النساء آية 100 ]
* ( ومن يهاجر ) * أي مقار النفس المألوفة في سبيل طريق الحق بالعزيمة * ( يجد ) *
في أرض استعداده مهاجر ومساكن ومنازل كثيرة فيها رغم أنوف قوى نفسه الوهمية
والخيالية والبهيمية والسبعية وإذلالها * ( وسعه ) * وانشراحاً في الصدر عند الخلاص من
ضيق صفات النفس وأسر الهوى * ( ومن يخرج ) * من المقام الذي هو فيه سواء كان مقر
استعداده الذي جبل عليه أو منزلاً من منازل النفس أو مقاماً من مقامات القلب
* ( مهاجرا إلى الله ) * بالتوجه إلى توحيد الذات * ( ورسوله ) * بالتوجه إلى طلب الاستقامة
في توحيد الصفات * ( ثم يدركه ) * الانقطاع قبل الوصول * ( فقد وقع أجره على الله ) *
بحسب ما توجه إليه ، فإن المتوجه إلى السلوك له أجر المنزل الذي وصل إليه ، أي :
المرتبة من الكمال الذي حصل له إن كان ، وأجر المقام الذي وقع نظره عليه وقصده .
تفسير ابن عربي — صفحة 176
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٦