النبيين والصديقين ) * الذين صدقوا بنسبة الأفعال والصفات إلى الله ، بالانخلاع عن
صفاتهم والاتصاف بصفاته ولو ظهروا بصفات نفوسهم لكانوا كاذبين * ( والشهداء ) *
أي : أهل الحضور * ( والصالحين ) * أي : أهل الاستقامة في الدين .
* ( ذلك الفضل ) * أي : التوفيق لتحصيل الكمال الذي ناسبوا به النبيين ومن معهم
فرافقوهم . * ( عليماً ) * يعلم ما في استعدادهم من الكمال فيظهره عليهم * ( خذوا
حذركم ) * أي : ما تحذرون من إلقاء الشيطان ووساوسه وإهلاكه إياكم بالإغواء ، ومن
ظهور صفات نفوسكم واستيلائها عليكم ، فإنها أعدى عدوكم * ( فانفروا ثبات ) * اسلكوا
في سبيل الله جماعات ، كل فرقة على طريقة شيخ كامل عالم * ( أو انفروا جميعاً ) * في
طريق التوحيد والإسلام على متابعة النبي * ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ) *
إلى آخره ، ثبت أنهم قدريون يضيفون الخيرات إلى الله والشرور إلى الناس ، يتشبهون
بالمجوس في الثبات ، مؤثرين مستقلين في الوجود ، وإضافتهم الشرور إلى الرسول لا
إلى أنفسهم كانت لأنه باعثهم ومحرضهم على ما يلقون بسببه الشر عندهم . فأمر
الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوتهم إلى توحيد الأفعال ونفي التأثير عن الأغيار والإقرار بكونه فاعل
الخير والشر بقوله : * ( قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ) *
لاحتجابهم بصفات النفوس وارتجاج آذان قلوبهم التي هي أوعية السماع والوعي . ثم
بين أن لله فضلاً وعدلاً ، فالخيرات والكمالات كلها من فضله ، والشرور من عدله ،
أي : يقدرها علينا ويفعلها بنا لاستعداد واستحقاق فينا يقتضي ذلك . وذلك الاستحقاق
إنما يحدث من ظهور النفس بصفاتها وارتكابها المعاصي والذنوب الموجبة للعقاب لا
بفعل آخر كما نسبوا ما أصابهم من الشر إلى الرسول ، لأن الاستحقاق مرتب على
الاستعداد ، ولا يعرض ما يقتضيه استعداد أحد لغيره ، كما قال تعالى : * ( ولا تزر وازرة
وزر أخرى ) * [ الأنعام ، الآية : 164 ] ، فكذبهم وخطأهم في قدريتهم بإثبات أن : السبب
الفاعلي للخير والشر ليس إلا لله وحده بمقتضى فضله وعدله . وأما السبب القابلي فهو
وإن كان أيضاً منه في الحقيقة إلا أن قابلية الخير هو من الاستعداد الأصلي الذي هو
من الفيض الأقدس الذي لا مدخل لفعلنا واختيارنا فيه ، وقابلية الشر من الاستعداد
الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات والأفعال الحاجبة للقلب ، المكدرة لجوهره ،
حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا والمصائب والبلايا والنوائب لا من قبل الرسول أو
غيره .
تفسير سورة النساء من آية 97 إلى آية 99
تفسير ابن عربي — صفحة 174
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٤