الحرب بعد الاتفاق وما صبرتم عن لاحظ
الدنيا ، وعصيتم الرسول بترك ما أمركم به من
ملازمة المركز ، وملتم إلى زخرف الدنيا * ( من بعد ما أراكم ما تحبون ) * من الفتح
والغنيمة وحان زمان شكركم لله ، وشدة إقبالكم عليه ، فذهلتم عنه ، فكان أشرفكم
يريد الآخرة والباقون يريدون الدنيا ، ولم يبق فيكم من يريد الله منعكم نصره * ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) * بما فعلتم فكان الابتلاء لطفاً بكم وفضلاً * ( والله ذو فضل على المؤمنين ) * في الأحوال كلها ، إما بالنصرة وإما بالابتلاء ، فإن الابتلاء فضل ولطف
خفي ليعلموا أن أحوال العباد جالبة لظهور أوصاف الحق عليهم فما أعدوا له نفوسهم
موهوب لهم من عند الله كما مر في قوله : ' مطيع من أطاعني ' . كما يكونون مع الله
يكون الله معهم ، ولئلا يناموا إلى الأحوال دون المسلكات ، وليتمرنوا بالصبر على
الشدائد ، والثبات في المواطن ، ويتمكنوا في اليقين ، ويجعلوه ملكاً لهم ، ومقاماً ،
ويتحققوا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ولا يميلوا إلى الدنيا
وزخرفها ، ولا يذهلوا عن الحق ، ولا يبيعوه بالدنيا والآخرة ، وليكون عقوبة عاجلة
للبعض فيتمحصوا عن ذنوبهم وينالوا درجة الشهادة برفع الحجب ، خصوصاً حجاب
محبة النفس ، فيلقوا الله طاهرين . ولهذا قال تعالى : * ( ولقد عفا عنكم ) * [ آل
عمران ، الآية : 152 ] ، إذ الابتلاء كان سبب العفو .
* ( فأثابكم غما بغم ) * أي : صرفكم عنهم فجازاكم غماً بسبب غم لحق رسول الله
من جهتكم ، بعصيانكم إياه ، وفشلكم وتنازعكم ، أو غماً بعد بغم أي : غماً مضاعفاً
لتتمرنوا بالصبر على الشدائد والثبات فيها ، وتتعودوا رؤية الغلبة والظفر والغنيمة
وجميع الأشياء من الله لا من أنفسكم فلا * ( تحزنوا على ما فاتكم ) * من الحظوظ
والمنافع * ( ولا ما أصابكم ) * من الغموم والمضار .
[ تفسير سورة آل عمران آية 154 ]
* ( ثم ) * خلى عنكم الغم بالأمن وإلقاء النعاس على الطائفة الصادقين دون
المنافقين الذين * ( أهمتهم أنفسهم ) * لا نفس الرسول ولا الذين وافقوا علامة للعفو
* ( لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) * لقوله تعالى : * ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) * [ الحديد ، الآية : 22 ] .
تفسير ابن عربي — صفحة 150
مساهمون: ابن عربي
ص١٥٠