لما قال في أبياته :
* فكيفما شئت فاختبرني
*
فابتلي بالأسر ، فلم يطق ، فكان يتردد في الطرق ويرضخ إلى الصبيان ما يلعبون
به كالجوز ، ويقول : ادعوا على عمكم الكذاب . وفي هذا المعنى قال الشاعر :
* وإذا ما خلا الجبان بأرض
* طلب الطعن وحده والنزالا
*
فلا يلتفت بحال إلا إذا صار مقاماً ، ولا يعتبر مقاماً إلا إذا امتحن في مواطنه ،
فإذا خلص من الامتحان فقد صح وهذا أحد فوائد مداولة الأيام بينهم ليتمرنوا بالموت
ويتقوى يقينهم ويتوفر صبرهم ويتحقق مقامهم بالمشاهدة كما قال : * ( فقد رأيتموه ) * من
قتل إخوانكم بين أيديكم * ( وأنتم ) * تشاهدون ذلك . وفيه توبيخ لهم على أن يقينهم
كان حالاً لا مقاماً ، ففشلوا في الموطن .
* ( وما محمد إلا رسول ) * أي : إنه رسول بشر ، سيموت أو يقتل كحال الأنبياء
قبله ، فمن كان على يقين من دينه فبصيرة من ربه لا يرتد بموت الرسول وقتله ، ولا
يفتر عما كان عليه ، لأنه يجاهد لربه لا للرسول كأصحاب الأنبياء السالفين . وكما قال
أنس عم أنس بن مالك يوم أحد حين أرجف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاع الخبر ،
وانهزم المسلمون ، وبلغ إليه تقاول بعضهم : ليت فلاناً يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان .
وقول المنافقين : لو كان نبياً ما قتل ! ، يا قوم ، إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد
حي لا يموت ! ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه ،
وموتوا على ما مات عليه . ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ
إليك مما جاء به هؤلاء . ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل . * ( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) * إنما ضر نفسه بنفاقه وضعف يقينه * ( وسيجزي الله الشاكرين ) * لنعمة
الإسلام ، كأنس بن النضر وأضرابه من الموقنين .
[ تفسير سور آل عمران من آية 145 إلى آية 151 ]
تفسير ابن عربي — صفحة 148
مساهمون: ابن عربي
ص١٤٨