على صورة غلوله بما غل بعينه .
* ( أفمن اتبع رضوان الله ) * أي : النبي في مقام الرضوان التي هي جنة الصفات ،
لاتصافه بصفات الله ، والغال في مقام السخط لاحتجابه بصفات نفسه * ( ومأواه ) * أسفل
حضيض النفس المظلمة ، فهل يتشابهان ؟ * ( هم درجات ) * أي : كل من أهل الرضا
وأهل السخط ذوو درجات متفاوتات أو هم مختلفون اختلاف الدرجات * ( قل هو من عند أنفسكم ) * لا ينافي قوله تعالى : * ( قل كل من عند الله ) * [ النساء ، الآية : 78 ] لأن السبب
الفاعلي في الجميع هو الحق تعالى ، والسبب القابلي أنفسهم ، ولا يفيض من الفاعل
إلا ما يليق بالاستعداد ويقتضيه ، وباعتبار الفاعل يكون من عند الله ، وباعتبار القابل
يكون من عند أنفسهم . واستعداد الأنفس إما أصلي وإما عارضي ، والأصلي من فيضه
الأقدس على مقتضى مشيئته ، والعارضي من اقتضاء قدره . فهذا الجانب أيضاً ينتهي
إليه ، ومن وجه آخر ما يكون من أنفسهم أيضاً يكون من الله نظراً إلى التوحيد ، إذ لا
غير ثمة * ( وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ) * أي : وليتميز المؤمنون والمنافقون في
العلم التفصيلي .
* ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ) * سواء كان قتلهم بالجهاد الأصغر ، وبذل
النفس طلباً لرضا الله ، أو بالجهاد الأكبر ، وكسر النفس ، وقمع الهوى بالرياضة
* ( أمواتا بل أحياء عند ربهم ) * بالحياة الحقيقية مجردين عن دنس الطبائع ، مقربين في
حضرة القدس * ( يرزقون ) * من الأرزاق المعنوية ، أي المعارف والحقائق واستشراق
الأنوار ، ويرزقون في الجنة الصورية كما يرزق سائر الأحياء . فإن للجنان مراتب
بعضها معنوية وبعضها صورية ، ولكل من المعنوية والصورية درجات على حسب
الأعمال ، فالمعنوية جنة الذات وجنة الصفات وتفاضل درجاتها على حسب تفاضل
درجات أهل الجبروت والملكوت ، والصورية جنة الأفعال وتفاوت درجاتها على
حسب تفاوت درجات عالم الملك من السماوات العلى ، وجنات الدنيا وعن
النبي صلى الله عليه وسلم : ' لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ،
تدور في أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب ، معلقة في ظل
العرش ' . فالطير الخضر : إشارة إلى الأجرام السماوية ، والقناديل هي الكواكب ، أي
تعلقت بالنيرات من الأجرام السماوية لنزاهتها ، وأنهار الجنة منابع العلوم ومشارعها ،
وثمارها الأحوال والمعارف والأنهار ، والثمار الصورية على حسب جنتهم المعنوية أو
الصورية . فإن كل ما وجد في الدنيا من المطاعم والمشارب والمناكح والملابس وسائر
الملاذ والمشتهيات ، موجود في الآخرة وفي طبقات السماء ألذ وأصفى مما في الدنيا .
تفسير ابن عربي — صفحة 153
مساهمون: ابن عربي
ص١٥٣