الاستقامة ، أي منهم أهل التوحيد والاستقامة * ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) * أي :
كل ما يصدر منكم مما يقربكم عند الله يتصل به جزاؤه ومنه لن تحرموا شيئاً منه . قال
الله تعالى : ' من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه
باعاً ، ومن أتاني مشياً أتيته هرولة ' . . . . الحديث . وقال تعالى : ' أنا جليس من ذكرني ،
وأنيس من شكرني ، ومطيع من أطاعني ' أي : كما أطعتموه بتصفية الاستعداد والتوجه
نحوه ، أطاعكم بإفاضة الفيض على حسبه والإقبال إليكم * ( والله عليم ) * بالذين اتقوا ما
يحجبهم عنه فيتجلى لهم بقدر زوال الحجاب .
* ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ) * الفانية ولذاتها السريعة الزوال ، طلباً
للشهوات أو رياء وسمعة في المفاخر ، وطلب محمدة الناس ، لا يطلبون به وجه الله ،
وما تهلكه وتفنيه بالكلية من ريح هوى النفس التي فيها برد دنياتكم الفاسدة وأغراضكم
الباطلة كالرياء ونحوه * ( كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ) * بالشرك
والكفر * ( فأهلكته ) * عقوبة من الله لظلمهم * ( وما ظلمهم الله ) * بإهلاك حرثهم * ( ولكن ) *
كانوا أنفسهم يظلمون لأنه مسبب عن ظلمهم ، كما قيل : مهلاً فيداك ، وكتا وفوك
نفخ .
[ تفسير سورة آل عمران آية 118 ]
* ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) * بطانة الرجل صفيه وخليصه الذي يبطنه ويطلع
عليه أسراره ، ولا يمكن وجود مثل هذا الصديق إلا إذا اتحدا في المقصد واتفقا في
الدين والصفة ، متحابين في الله لا لغرض كما قيل في الأصدقاء : نفس واحدة في
أبدان متفرقة ، فإذا كان من غير أهل الإيمان فبأن يكون كاشحاً أحرى . ثم بين نفاقه
واستبطانه العداوة بقوله : * ( لا يألونكم خبالا ) * إلى آخره ، إذ المحبة الحقيقية الخالصة
لا تكون إلا بين الموحدين ، لكونها ظل الوحدة فلا تكون بين المحجوبين لكونهم في
عالم التضاد والظلمة . فأين الصفاء والوفاق في عالمهم ؟ بل ربما تتآلفهم الجنسية
العامة الإنسانية لاشتراكهم في النوع والمنافع والملاذ واحتياجهم إلى التعاون فيها ، فإذا
لم تتحصل أغراضهم من النفع واللذة تهارشوا وتباغضوا وبطلت الإلفة التي كانت
بينهم ، لكونها مسببة عن أمر قد تغير إذ النفس منشأ التغير والمنافع الدنيوية لا تبقى
بحالها ، واللذات النفسانية سريعة الانقضاء فلا تدوم المحبة عليها بخلاف المحبة
الأولى ، فإنها مستندة إلى أمر لا تغير فيه أصلاً ، هذا إذا كانت فيما بينهم ، فكيف إذا
كانت بينهم وبين من يخالفهم في الأصل والوصف ؟ وأنى يتجانس النور والظلمة ؟
تفسير ابن عربي — صفحة 142
مساهمون: ابن عربي
ص١٤٢