ومن أين يتوافق العلو والسفل ؟ فبينهما عداوة حقيقية وتخالف ذاتي لا تخفى آثاره كما
بين الله تعالى بقوله : * ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) * لامتناع اختفاء الوصف الذاتي .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ما أضمر أحد شيئاً إلا وأظهره الله في فلتات لسانه وصفحات
وجهه ' . * ( وما تخفي صدورهم أكبر ) * لأنه نار وهذا شرار ، ذاك أصل ، وهذا فرعه
* ( قد بينا لكم الآيات ) * دلائل المحبة والعداوة وأسبابهما * ( إن كنتم تعقلون ) * أي :
تفهمون من فحوى الكلام .
[ تفسير سورة آل عمران آية 119 ]
* ( ها أنتم أولاء تحبونهم ) * بمقتضى التوحيد ، إذ الموحد يحب الناس كلهم
بالحق للحق ، ويراهم متصلين بنفسه اتصال الأحماء والأقرباء بل اتصال الأجزاء ،
فينظر إليهم بنظر الرحمة الإلهية والرأفة الربانية ، ويعطف عليهم مترحماً إذ يراهم أهل
الرحمة شغلوا بالباطل ، وابتلوا بالقدر ولا يحبونكم بمقتضى الحجاب والبقاء في ظلمة
النفس وتضاد الطبع .
* ( وتؤمنون بالكتاب ) * أي بجنس الكتاب * ( كله ) * لشمول علمكم التوحيدي ، ولا
يؤمنون للتقيد بدينهم والاحتجاب بما هم عليه * ( وإذا لقوكم قالوا آمنا ) * لنفاقهم
المستجلب لأغراضهم العاجلة * ( وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) * نحقدهم
الذاتي وبغضهم الكامن والباقي ظاهر .
[ تفسير سورة آل عمران من آية 120 إلى آية 125 ]
* ( وإن تصبروا ) * على ما يبتليكم الله به من الشدائد والمحن والمصائب ، وتثبتوا
على مقتضى التوحيد والطاعة * ( وتتقوا ) * الاستعانة بهم في أموركم والالتجاء إلى
ولايتهم * ( ولا يضركم كيدهم شيئاً ) * لأن المتوكل على الله ، الصابر على بلائه ،
المستعين به لا بغيره ، ظافر في طلبته ، غالب على خصمه ، محفوظ بحسن كلاءة ربه ،
والمستعين بغيره مخذول موكول إلى نفسه ، محروم عن نصرة ربه . كما قال الشاعر :
تفسير ابن عربي — صفحة 143
مساهمون: ابن عربي
ص١٤٣