المجتمع الدينيّ ، فكان من الواجب إذن أن تصيب كثيرا من المسلمين الّذين تشاحنوا ، وتلاكموا ، وقاتلوا ، فقمّوا جذوم « 1 » تينك الصفتين ، وقلعوا جذورهما ، فضلا عن كتمان ثبوتهما بينهم ؛ لكنّ المنقّب لا يرى إلّا أنّهم وسموا بشية العار ، وأصابتهم الدعوة بكتمانهم نبأ عظيما يختصّ به هذا المولى العظيم - صلوات اللّه عليه - وما هو إلّا ما أصفقت عليه النصوص ، وتراكمت القرائن من إمامته وأولويّته على الناس منهم بأنفسهم .
ثمّ إنّ نفس كتمانهم للشهادة لا تكون لأمر عاديّ هو شرع سواء بينه وبين غيره ، وإنّما الواجب أن تكون فيه فضيلة يختصّ بها ، فكأنّهم لم يرقهم أن يتبجّح الإمام بها ، فكتموها ، لكنّ الدعوة الصالحة فضحتهم بإظهار الحقّ ، وأبقت عليهم مثلبة لائحة على جبهاتهم وجنوبهم وعيونهم ما داموا أحياء ، ثمّ تضمّنتها طيّات الكتب فعادت تلوكها الأشداق ، وتتناقلها الألسن حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها .
القرينة الثامنة عشرة :
أخرج « 2 » الحافظ ابن السمّان عن عمر وقد جاءه أعرابيّان يختصمان ، فقال لعليّ : اقض بينهما . فقال أحدهما : هذا يقضي بيننا ؟ ! فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال : ويحك ما تدري من هذا ؟ هذا مولاي ومولى كلّ مؤمن ، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن .
وعنه وقد نازعه رجل في مسألة ، فقال : بيني وبينك هذا الجالس ، وأشار إلى عليّ بن أبي طالب . فقال الرجل : هذا الأبطن ؟ ! فنهض عمر عن مجلسه ، وأخذ بتلبيبه حتّى شاله من الأرض ، ثمّ قال أتدري من صغّرت ؟ ! هذا مولاي ومولى كلّ مسلم .
هامش
( 1 ) - [ جمع جذم ، وهو الأصل ] .
( 2 ) - انظر الرياض النضرة 2 : 170 [ 3 / 115 ] ؛ ذخائر العقبى للمحبّ الطبري : 68 ؛ والصواعق : 107 [ ص 179 ] .