قال الخضري في المحاضرات « 1 » :
الأصل في انتخاب الخليفة رضا الامّة ، فمن ذلك يستمدّ قوّته ، هكذا رأى المسلمون عند وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؛ فقد انتخبوا أبا بكر الصدّيق اختيارا منهم لا استنادا إلى نصّ أو أمر من صاحب الشريعة صلّى اللّه عليه وآله ، وبعد أن انتخبوه بايعوه ، ومعنى ذلك عاهدوه على السمع والطاعة فيما فيه رضا اللّه سبحانه ، كما أنّه عاهدهم على العمل فيهم بأحكام الدين من كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وهذا التعاهد المتبادل بين الخليفة والامّة هو معنى البيعة تشبيها له بفعل البائع والمشتري ، فإنّهما كانا يتصافحان بالأيدي عند إجراء عقد البيع .
فمن هذه البيعة تكون قوّة الخليفة الحقيقيّة ، وكانوا يرون الوفاء بها من ألزم ما يوجبه الدين وتحتّمه الشريعة .
وقد سنّ أبو بكر رضى اللّه عنه طريقة أخرى في انتخاب الخليفة ؛ وهي أن يختار هو من يخلفه ويعاهده الجمهور على السمع والطاعة ، وقد وافق الجمهور الإسلاميّ على هذه الطريقة ، ورأى أنّ هذا ممّا تجب الطاعة فيه وذلك العمل هو ولاية العهد .
فمن هنا يتجلّى أنّ تاريخ ولادة هذه المرويّات بعد انعقاد البيعة واستقرار الخلافة لمن تقمّصها ؛ ولذلك لم ينبس أحد منهم يوم السقيفة ولا بعده بشيء من ذلك على ما احتدم هنالك من الحوار والتنازع والحجاج .
وهناك أحاديث جمّة صحيحة - عند القوم - تضادّها وتكذّبها ؛ مثل :
1 - ما صحّ عن أبي بكر أنّه قال في مرضه الّذي توفّي فيه : « وددت أنّي سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمن هذا الأمر ؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب « 2 » ؟ » .
هامش
( 1 ) - محاضرات تاريخ الأمم الإسلاميّة - الدولة العبّاسيّة - : 46 [ ص 41 ] .
( 2 ) - تاريخ الطبري 4 : 53 [ 3 / 431 ] ؛ العقد الفريد 2 : 254 [ 4 / 93 ] .