.
وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان هذه الآية عند قوله تعالى : * ( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ) * ، في سورة النحل ، وفي سورة الواقعة عند قوله تعالى : * ( أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَءَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ ) * ، وتقدمت الإشارة إليه عند قوله تعالى : * ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) * ، في سورة الدهر . * ( إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ) * . ( إنه ) هنا أي إن الله على رجعه ، الضمير فيه ، قيل : راجع للماء الدافق ، أي أنه سبحانه قادر على رجع هذا الماء من حيث خرج ، كرد اللبن إلى الضرع مثلاً ، ورد الطفل إلى الرحم ، وهذا مروي عن عكرمة ومجاهد .
وقيل : على رجع الإنسان بعد الموت ، وهذا وإن كان في الأول دلالة على القدرة ، ولا يقدر عليه إلاَّ اللَّه ، إلاَّ أن في السياق ما يدل على أن المراد ، هو الثاني لعدة أمور :
الأول : أن رد الماء لم يتعلق به حكم ولا أمر آخر سوى إثبات القدرة بخلاف رجع الإنسان بعد الموت ، فهو قضية الإيمان بالبعث . ويتعلق به كل أحكام يوم القيامة .
الثاني : مجيء القرآن بالخلق الأول ، دليل على الإعادة بعد الموت ، كقوله تعالى في يس : * ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ ) * أي من ماء دافق * ( قَالَ مَن يُحىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * ، أي من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب .
الثالث : أن الأول يحتاج معه إلى تقدير عامل ليوم تبلى السرائر ، نحو اذكر مثلاً بخلاف الثاني ، فإن العامل فيه : هو لقادر ، أي لقادر على رجعه يوم تبلى السرائر .
ونقل أبو حيان عن ابن عطية قوله : وكل من خالف ذلك إنما فر من أن يكون ( لقادر ) هو العامل في الظرف ، لأنه يوهم أن قدرته على رجعه مقيدة بذلك . ولكن بتأمل أسلوب العرب يعلم جوازه ، لأنه قال : * ( إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ) * على الإطلاق أولاً وآخراً ، وفي كل وقت ثم ذكر تعالى : وخصص من الأوقات الوقت الأهم
أضواء البيان — صفحة 493
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٩٣