لا يبقى معه مجال للشكّ ، ففي الوقت الذي يعتبر فيه القرآن الكريم تعليم الكتاب والحكمة لكافّة الناس ، نراه قد صنّف مثل هذا التعليم لينتقل به من الاختصاص إلى العموم ؛ أي أنّه خصّ التزكية والتعليم بالأنبياء ومن الأنبياء إلى طائفة خاصّة ومن هذه الطائفة إلى عامّة الناس ، ولا يسعنا هُنا إلّا أن نستعرض هذا التصنيف كما صرّح به كتاب اللَّه : 1 - قال اللَّه تعالى بشأن عيسى عليه السلام :
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
« 1 » ، وخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قائلًا :
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ
وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
« 2 » . فالآيتان الكريمتان وأمثالهما مختصّتان بأنبياء اللَّه ، فاللَّه هو معلم عيسى ومحمّد صلى الله عليه وآله ، وقد تولّت الذات الإلهيّة المقدّسة تعليم الأنبياء الكتاب والشرائع وأسرار الحكمة ، فاللَّه هو المربّي والنبيّ هو التلميذ وعلم الكتاب والحكمة هي المواد الدراسية . 2 - قام الأنبياء في بعض الأحيان بوظيفة التعليم الخصوصي ، فأعدّوا طائفة من المتخصّصين في علم الكتاب والحكمة وتزكية النفس وتهذيبها ، فقد علّم الخضر موسى عليه السلام ، كما كان أمير المؤمنين عليه السلام التلميذ الممتاز الخاصّ للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، حيث قال : « علّمني ألف باب » « 3 » وقد تتلمّذ هارون على يد أخيه موسى عليه السلام ، كما تتلمّذ الحواريون على يد عيسى عليه السلام . وأوضح آية يمكننا الاستشهاد بها بشأن تعليم النبي الخاصّ لتلامذته وخاصّته من أهله ، هي التي نخوض في بحثها
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
. 3 - أمّا الآيات التي تدلّ على عمومية رسالة النبي صلى الله عليه وآله وكون التهذيب
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 48 .
( 2 ) سورة النساء : الآية 113 .
( 3 ) الإرشاد للمفيد 1 : 34 ، إعلام الورى 1 : 318 ، بحار الأنوار 40 : 144 ح 50 .