وعُلماء بكتاب اللَّه وآيات الرحمن ، ومن ذوي البصائر بفلسفة الدين وأسرار الخليقة . ودليل هذا الظهور أنّهم في الوقت الذي يعيشون الإخلاص والتسليم ، وتنبض قلوبهم بالتوحيد وعشق الحق ، فقد كانوا يتضرّعون لأن يظهر مثل هؤلاء الأفراد في هذه الطائفة يتّصفون بالإخلاص في العبودية للَّه ، ويعيشون الانقطاع والتسليم للَّه والطهارة من كلّ رجس ودنس ، وعليه : فهذه الطائفة المخلصة كانت تمتلك الاستعداد الروحي ، وقد تعلّمت وتزكّت بفضل هذا الاستعداد في مدرسة الرسالة تحت إشراف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وتعليمه الخاصّ . ولعلّ كلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة بشأن كيفيّة ترعرعه في حضن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والسموّ والكمال الذي بلغه في ظلّ العناية التي أولاها إيّاه النبي صلى الله عليه وآله ومنزلته الخاصّة لديه إشارة إلى هذا المعنى ، فقد قال عليه السلام : « وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ، ويكنفني إلى فراشه ، ويمسّني جسده ويشمّني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل . ولقد قرن اللَّه به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره . ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر امّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً يأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحر فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة ، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله فقلت : يا رسول اللَّه ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطان آيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلّا أنّك لست بنبيّ ، ولكنّك وزير وإنّك لعلى خير » « 1 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة لمحمد عبده : 436 - 437 .