كما لا عامل بصحيحتي حماد بن عثمان والحلبي ( 1 ) الدالتين على أن
الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكة .
شرح
الإعراض ، لاحتمال أنها مستندة إلى وجه آخر .
وأما الأمر الثاني : فلأن من المحتمل أن يكون منشأ عدم عملهم بها
ترجيح صحيحة زرارة ( 1 ) عليها ، ومع هذا الاحتمال لا يكون كاشفاً عن عدم صدور
الرواية عنهم ( عليهم السلام ) وأنه وصل إليهم يداً بيد ، بل الوجه في رفع اليد عن هذه
الصحيحة هو أن دلالتها على نفي الزايد على ثمانية عشر ميلاً انما هي بالاطلاق
الناشئ من السكوت في مقام البيان ، وذلك لأنها تدل على ثبوت هذا الحد
بالنص ، وعلى نفي الزائد بالاطلاق .
وبكلمة : إن لها مدلولين :
أحدهما : ايجابي ، وهو دلالتها على تحديد البعد عن مكة بثمانية عشر
ميلاً وأن كل من كان منزله في امتداد شعاع هذا البعد فلا متعة له .
والآخر : سلبي ، وهو دلالتها على نفي اعتبار الزائد على هذا الحد . والأول
ناص بالوضع ، والثاني ظاهر بالاطلاق . وبما أن هذه الصحيحة لا تنافي صحيحة
زرارة في مدلولها الايجابي ، وانما تنافيها في مدلولها السلبي فلا تصلح أن
تعارض صحيحة زرارة ، باعتبار أنها ناصة في اعتبار الزائد ، وهي ظاهرة في نفيه ،
ومقتضى الجمع الدلالي العرفي تقديم النص على الظاهر .
( 1 ) مر أن عدم عمل الأصحاب برواية لا يوجب سقوطها عن الاعتبار ،
وعلى هذا فبما أنهما تدلان على أن المراد من حاضري المسجد الحرام في الآية
الشريفة من كان منزله دون المواقيت ، بدون تحديد المسافة بينه وبين مكة
وتعيينها كماً ، فتكون صحيحة زرارة ( 2 ) التي هي محددة لتلك المسافة بينهما ،
هامش
( 1 ) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج الحديث : 3 .
( 2 ) المصدر السابق .