تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعاليق مبسوطة — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
شرح
الثالث : التمكن بعد الانفاق على سفر الحج والعود إلى بلده من استيناف وضعه المعاشي الطبيعي وبدون الوقوع في حرج بسبب نفقات الحج . والاستطاعة تتكون من هذه العناصر الثلاثة ، فإذا توفرت تلك العناصر في شخص وجب عليه الحج ، سواء أكان هناك واجب آخر مضاد له أم لا ، فان وجوب واجب آخر لا يمنع عن وجوب الحج لفرض ان وجوبه غير مرتبط بعدم وجوب واجب آخر ، بل هو مرتبط بتوفر تلك العناصر ، والمفروض أنها متوفرة عنده ، وهذا هو معنى ما ذكرناه من أن المتفاهم العرفي من الاستطاعة القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري لا الأعم منه ومن الاختياري ، لأن العجز الاختياري عين التمكن والقدرة ، فلا ينافيها فإنّه معلول للقدرة والتمكن ، هذا كله شريطه أن لا يقع في العسر والحرج بسبب الحج ، والاّ فلا وجوب . إلى هنا قد تبين ان الاستطاعة بمعناها اللغوي والعرفي وهي القدرة التكوينية معتبرة شرعاً في وجوب الحج ، فإن أخذها في لسان الآية الشريفة والروايات من قبل المولى يدل على أنها دخيلة في الحكم والملاك معاً ، وهذا يعني أنها كما تكون من شروط الوجوب في مرحلة الاعتبار تكون من شروط الاتصاف في مرحلة المبادئ ، والنكتة في ذلك أن تصدي المولى لأخذها في لسان الدليل رغم ان العقل مستقل باشتراط التكليف بالقدرة بملاك قبح تكليف العاجز يدل على أنه لا يمكن ان يكون تأكيداً لحكم العقل فقط وإبرازاً لما هو مبرز في نفسه وإلاّ لكان لغواً وجزافاً ، حيث لا حاجة إلى هذا التأكيد ، فاذن لا محالة يكون تصديه قرينة على أنه بصدد إفادة معنى زائد على ما هو ثابت بحكم العقل ، وهو ليس الا دخلها في الملاك وأنه بدونها فلا ملاك للحكم ، وبذلك تمتاز القدرة الشرعية عن القدرة العقلية ، فان الأولى دخيلة في الحكم والملاك معاً ، والثانية دخيلة في الحكم فقط باعتبار أن الحاكم باشتراطها انما هو العقل على أساس قبح تكليف العاجز والفرض انه لا طريق له إلى ملاكات الأحكام في مرحلة المبادي .
تعاليق مبسوطة — صفحة 76 | الشيخ محمد إسحاق الفياض