شرح
الوفاء بالإجارة الثانية ، فلا يكون الوفاء بها مقدوراً له شرعاً ، فلذلك تبطل .
مثال ذلك : إذا أجار شخص نفسه للحج في سنة معينة من زيد ، ثم بعد
ذلك أجار نفسه للحج في نفس هذه السنة من خالد ، فان وجوب الوفاء بالإجارة
الأولى إن كان مرده إلى الزام المؤجر بالوفاء بها في ظرفها مطلقاً ولو بالحفاظ
على قدرته إلى وقت الوفاء بها وعدم تفويتها ، بل تحصيلها إذا كان فاقداً لها كان
معجزاً مولوياً عن صرف قدرته في الوفاء بالإجارة الثانية ، فيكون متعلقها غير
مقدور له شرعاً ، فلذلك تبطل .
ولكن من الواضح ان هذا مجرد افتراض لا واقع له ، حيث إنه مبني على
أن يكون وجوب الوفاء بالإجارة الأولى فعلياً ومنجزاً ، فحينئذ يكون مانعاً عن
الإجارة الثانية بالمنع عن تحقق موضوعها ، مع أن الأمر ليس كذلك ، فان وجوب
الوفاء بها مشروط بالقدرة عليه في ظرفه ، ومن المعلوم أن هذا الوجوب
المشروط لا يكون مانعاً عنها ، أو فقل : إن ذلك مبني على أن تكون الإجارة
الأولى مشمولة لاطلاق دليل الامضاء فعلاً ومنجزاً ، ومن الواضح أن الأمر ليس
كذلك لوضوح أنها مشمولة له مشروطة بالقدرة على الوفاء بها في ظرفه لا
مطلقاً ، وإلاّ فلا تكون مشمولة له من الأول ، وعلى هذا ففي المثال المتقدم إذا
كان الأجير قادراً على الحج بكامل واجباته في وقته وموسمه كان اطلاقه شاملاً
لها ، وإلا انكشف عن عدم شموله لها من الأول ، حيث قد مر أن القدرة المعتبرة
فيه انما هي القدرة الخاصة وهي القدرة في ظرف العمل لا مطلقاً ، فاذن لا يكون
الموجر في المقام ملزماً بصرف قدرته على الوفاء بالإجارة الأولى والحفاظ
عليها لأجلها ، بل له تفويت هذه القدرة وصرفها في شئ آخر قبل وقت الوفاء
بها .
فالنتيجة : إن متعلق الإجارة الثانية مقدور للأجير عقلاً وشرعاً ، أما عقلاً
فهو واضح ، وأما شرعاً فلعدم المانع الشرعي منه فعلاً ، لأن المانع الشرعي
المتوهم في المقام كما عرفتم هو أن وجوب الوفاء بالإجارة الأولى يقتضي منع