شرح
الأول : إن الشبهة في المقام حكمية كما مر ، ولا تجري فيها أصالة الصحة ،
لأن مفادها ليس اثبات صحة العقد أو الايقاع المشكوك في الشريعة المقدسة
صحتها وجعلها ، بل مفادها أن المشكوك مصداق للصحيح فيها ، بمعنى أنه
واجد لتمام واجباته من الأجزاء والشروط أولا .
الثاني : ان الناذر في المقام لم ينو المقيد ، وانما نوى المطلق ، فلا يدور ما
صدر منه بين المطلق والمقيد حتى تقتضي اصالة الصحة أنه مقيد .
الثالث : مع الاغماض عن ذلك ، وتسليم أن ما صدر منه مردد بين المطلق
والمقيد ، الاّ أن الأصالة انما تقتضي حمله على المقيد إذا كان الناذر حين النذر
ملتفتاً إلى تمام ما هو دخيل في صحته من الشروط والقيود ، منها تقييده بزوال
الاستطاعة ، وأما إذا كان غافلاً ، أو معتقداً صحته مطلقاً ، فلا تجري الأصالة ، لما مر
من أنها من الأصول العقلائية التي تكون حجيتها من باب الكاشفية والأمارية ،
دون الأصول التعبدية الصرفة .
فالنتيجة : انه لا مجال للتمسك بأصالة الصحة في المقام أصلاً .
ثم إن هل يمكن الحكم بصحة هذا النذر ؟ أو أن صحته مشروطة بأن لا
يكون في عام الاستطاعة ؟ الظاهر هو الثاني ، بل لا شبهة فيه ، لما مر في غير مورد
من أن وجوب الوفاء بالنذر لا يصلح أن يزاحم أىّ وجوب آخر ثابت في الشرع
بقطع النظر عنه ، فمن أجل ذلك لا يمكن وجوب الوفاء بالنذر مع وجوب حجة
الاسلام ، وأما إذا نذر الحج في عام الاستطاعة ، ثم زالت ، فهل يمكن الحكم
بصحة هذا النذر أو لا ؟ فيه وجهان : قد يقال بالأول ، بدعوى أن مقتضى اطلاق
دليل وجوب الوفاء بالنذر وجوب الوفاء به ، والخارج من هذا الاطلاق إنما هو
النذر المزاحم للواجب ، فإذا زالت الاستطاعة ينكشف أنه لا مزاحم لنذره في
الواقع وإن كان الناذر لا يعلم بذلك .
والجواب : أن النذر أمر قصدي يتبع قصد الناذر في السعة والضيق ، وعلى
هذا فإن كان قاصداً الحج في عام الاستطاعة مطلقاً ، أي سواء أزالت الاستطاعة أم
لا ، فهو غير صحيح ، والمقيد وهو الحصة المساوقة لزوال الاستطاعة غير