شرح
ومع الاغماض عن ذلك ، وتسليم أنها تامة سنداً ولكنها تدل على
اعتبارها في مطلق الاستطاعة ، بدون فرق بين البذلية وغيرها ، بقرينة أنها وردت
في تفسير السبيل في الآية الشريفة بالسعة في المال ، ومن المعلوم أنها مشتركة
بين الاستطاعة البذلية وغيرها ، لوضوح أنه ليس للاستطاعة البذلية معنى آخر
غير الامكانية المالية ، مع أن هذه الكلمة قد وردت في روايات البذل أيضاً ، هذا
إضافة إلى أن صيغ التعبير في الروايات الواردة في اعتبار الاستطاعة في وجوب
الحج وروايات البذل تدل على أن الاستطاعة في كلا الموردين بمعنى واحد ،
ولا يظهر منهما الاختلاف فيها أصلاً ، نعم قد تختلف في بعض اللوازم .
وبكلمة : ان روايات البذل ناظرة إلى أن من بذل له ما يحج به فقد وجب
عليه الحج شريطة أن تتوفر فيه الاستطاعة البدنية والأمنية على نفسه أو عرضه
أو ماله في الطريق وعند الأعمال .
فالنتيجة : ان روايات البذل تدل على تحقق الاستطاعة المالية به بدون
فرق بين أن تكون على نحو الملك أو الإباحة ، فان المعيار في وجوب الحج انما
هو بوجود ما يحج به وإن كان على نحو الإباحة ، غاية الأمر إن كانت عنده نفقة
تكفى لعياله في فترة سفره إلى الحج وجب عليه استجابة البذل وإلاّ لم تجب .
نعم إذا كان وجوده وعدمه على حد سواء بالنسبة إلى نفقتهم ولا أثر له بشأنها
فتجب عليه استجابته .
لحد الآن قد ظهرت ان الانفاق على العيال كالوفاء بالدين خارج عن
الاستطاعة موضوعاً وانما يكون وجوب الانفاق كوجوب الوفاء بالدين مزاحم
لوجوب الحج ، وبما أن الأول أهم يتقدم على الثاني ، ومن أجل ذلك ان من كان
لديه مالاً لا يكفي للانفاق على الحج والعيال معا قد يطلق عليه انه غير مستطيع ،
ولكن من المعلوم ان اطلاق عدم المستطيع عليه حكمي لا موضوعي باعتبار أن
كلاً منهما واجب مستقل في الشرع ولموضوع كذلك ، وقد يقع التزاحم بينهما
إذا لم تتسع قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال .