شرح
إعمال الاُصول في هذه الموارد يوجب الاجتناب عن الإناء الآخر أو الملاقي أو الماء .
أقول : وهذا الشرط عند التحقيق وفي النظر الدقيق ممّا لا يرجع إلى محصّل ، وكأنّه وهم ممّا في كلام العلماء من عدم اعتبار الاُصول المثبتة تنزيلا على غير وجهه غفلةً عن حقيقة المراد ، فإنّ مرادهم من عدم اعتبار الأصل المثبت عدم وفائه بإثبات ما هو من الآثار العقليّة أو العاديّة للمورد ، بل إنّما يفي بترتّب الآثار الشرعيّة فقط ، مثلا استصحاب طهارة الثوب الّذي أصابه مايع يتردّد بين الماء والبول إنّما يوجب ترتيب الآثار الشرعيّة المترتّبة على المستصحب في زمان اليقين ، من عدم وجوب غسل الثوب ، وجواز الدخول معه في الصلاة ونحوه ، لا ترتيب ما هو من اللوازم العقليّة ككون هذا المايع ماء . وأصالة البراءة عن وجوب الاجتناب عن الإناء المتردّد بين كونه ماءاً أو خمراً مثلا إنّما يوجب ترتيب آثار عدم وجوب الاجتناب الثابتة له شرعاً على تقدير العلم به ، من جواز شربه وعدم وجوب غسل موضع ملاقاة الملاقي وجواز الدخول في الصلاة بما أصابه من ثوب أو بدن ، ولا يوجب الحكم بكونه ماءً الّذي هو من اللوازم العقليّة لعدم وجوب الاجتناب .
ويظهر الفائدة في الأحكام المعلّقة على الماء من جواز التطهّر به عن الحدث وضوءاً أو غسلا ، والوفاء بالنذر إذا نذر الإفطار بماء مسخّن . فعلى تقدير عدم الحكم بالمائيّة في المثالين لا يجوز استعماله في الطهارة ، ولا يكون الافطار به مجزئاً ، وكذلك استصحاب الطهارة فيمن خرج منه المذي المشكوك في كونه ناقضاً إنّما يوجب ترتيب الآثار الشرعيّة الّتي كانت مترتّبة على الطهارة حال اليقين ، وهي عدم وجوب طهارة اُخرى ، وجواز الدخول في الصلاة ، ومسّ كتابة القرآن وغيرها ممّا هو مشروط بالطهارة ، وعدم كون المذي ناقضاً ليس منها فلا يسوغ الحكم به لمجرّد استصحاب الطهارة .
والسرّ في عدم ترتّب ما عدا الآثار الشرعيّة على المورد بمقتضى الأصل الجاري فيه أنّ الاُصول الشرعيّة كلّها من قبيل القواعد التعبّديّة المستنبطة عن الأدلّة الشرعيّة .
ومن الواضح البديهي وجوب الاقتصار في إعمال قاعدة من تلك القواعد في مواردها على مقدار ما دلّ عليه دليلها .
ولا ريب أنّ مقتضى قوله ( عليه السلام ) : « لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ ( 1 ) » وجوب ترتيب الأحكام
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 174 - 175 ، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء ، ح 1 ، و 2 : 594 ، الباب 44 من أبواب الحيض ، ح 2 ، و 3 : 226 ، الباب 8 من أبواب القبلة ، ح 6 .