فان قيل : هذا الاستدلال مبنيّ * على أنّ المراد بمخالفة الأمر ترك المأمور به ،
وليس كذلك . بل المراد بها حمله على ما يخالفه بأن يكون للوجوب أو
الندب ، فيحمل على غيره .
شرح
الأمرين على سبيل الترديد .
وقضيّة ذلك كون الأوامر على نهج واحد ، ولو سلّم أنّها للتقسيم أيضاً فلا ينافي المدّعى ،
لجواز كونه بالقياس إلى الغاية المترتّبة على المخالفة لا بالنسبة إلى الأوامر ، بل هو الظاهر
حيث وقعت بين الغايتين .
وقضيّة ذلك كون الأوامر بأسرها مفيدة للوجوب إلاّ أنّ الغاية المترتّبة على مخالفتها
تنقسم إلى قسمين :
أحدهما : ما يحصل في الدنيا .
وثانيهما : ما يحصل في الآخرة . وهذا عين المدّعى .
وهذه مناقشة معروفة ومحصّلها : أنّ المخالفة محتملة لأن يراد بها تبديل مقتضى الأمر
بحمله على الندب وهو للإيجاب ، أو على الإيجاب وهو للندب ، ولا ريب أنّه محرّم وفاعله
مستحقّ للذمّ والعقاب ، وإن لم يكن الأمر للوجوب ، فلا دلالة في الآية على المدّعى .
والأولى في الجواب أن يقال : إنّ المخالفة ضدّ الموافقة ، وهي عبارة عن الإتيان
بالمأمور به على وجهه ، على ما يقتضيه التفاهم العرفي ، فيكون ضدّها عبارة عن ترك الإتيان
بالمأمور به عن أصله أو الإتيان به على غير وجهه ، ضرورة أنّ المقيّد قد ينتفي بانتفاء قيده
وقد ينتفي بانتفاء ذاته ، فأيّ مانع من أن يراد بها المعنى العامّ الموجب لاندراج المدّعى
تحته ، إن لم نقل بظهورها فيما يخصّ بالمدّعى من باب انصراف المطلق إلى أشيع أفراده .
وبالجملة : المخالفة إمّا محمولة على معناها العامّ لأصالة الحقيقة أو فرد ها الشائع أخذاً
بما هو المتفاهم عرفاً ، والمطلوب على كلا التقديرين حاصل ، وأمّا الاحتمال الّذي ذكره
المناقش لا ريب في مخالفته للظاهر وسقوطه عن المتفاهمات العرفيّة .
ومن هنا ينقدح فساد ما قيل أيضاً من أنّ التهديد وإن تعلّق بمخالفي " الأمر " ولكن
المهدّد عليه غير مذكور في الآية ، فقد يكون التهديد وارداً عليهم لأمر غير المخالفة فلا يفيد
المطلوب ، فإنّ الاحتمال ولا سيّما إذا كان في غاية الضعف لا يعارض ما هو ظاهر