( قلنا : هذا الأمر للإيجاب والإلزام قطعاً إذ لا معنى لندب الحذر وإباحته ) * .
شرح
التهديد ، ولا يخفى فساد ما ظنّ ، وأنت خبير بوقوع ذلك في غير محلّه .
فإنّ مفاد قوله : ( فليحذر ) ليس إلاّ التحذير ، وهو على ما تقدّم مرادف للتهديد أو قريب
منه ، فدلالة الآية عليه ممّا لا سبيل لأحد إلى إنكاره ، وكلام المورد إنّما يرجع إلى منع
الملازمة بينه وبين الوجوب وهو بظاهره كلام متين ، لشيوع وقوع التهديد شرعاً وعرفاً في
مقام الاحتياط الّذي هو راجح على كلّ حال ، وإلى ذلك ينظر الأخبار الواردة في هذا الباب
- على ما هو التحقيق - من عدم إفادتها أزيد من ذلك ، كما يأتي تفصيل البحث فيها في محلّه ،
ونظيرها قولك - لصاحبك الّذي يريد سير طريق مخوف - : " احذر عن هذا الطريق مخافة أن
يفاجئك لصّ أو أسد . "
* قد عرفت ما يقضي بوهن هذا الكلام إن أُريد به إنكار سنخ الندب بالإضافة إلى الحذر ،
فإنّ " الأمر " في وجوبه وندبه يدور على كون الباعث عليه من فوات مصلحة أو لزوم مفسدة
أمراً محقّقاً أو محتملا .
ولا ريب أنّه لا وجوب على الثاني إنّ جوّزنا تعلّقه بهذا ، وإلاّ ففيه المنع المتقدّم من عدم
كونه كنظائره من الطلبيّات فضلا عن إيجابها .
لا يقال : مجرّد قيام الاحتمال كاف في وجوب الحذر ، لوجوب دفع الضرر المحتمل
عقلا ، لأنّ هذا الوجوب - على فرض تسليمه - ليس ممّا هو مقصود بالعنوان فإنّ الكلام إنّما
هو في الوجوب الواقعي ، وما يثبت بحكم العقل عند قيام احتمال الضرر وجوب ظاهري ولا
ربط بين المقامين ، على أنّ " الأمر " في اللغة لو كان للوجوب فهو بإزاء الأوّل ، إذ الثاني ربّما
يثبت على تقدير كونه فيها للندب أو الإباحة أو غيرهما أيضاً ، مع أنّه لو عمّمنا في محلّ
البحث بحيث يتناول كلاّ من الواقعي والظاهري أيضاً لما كان لما ذكر مدخل في ذلك ، إذ
الكلام في وجوب هو مفاد اللفظ لغةً ولو في مرحلة الظاهر ، وما ثبت بحكم العقل ليس من
حيث كونه مفاد اللفظ لغةً بل هو حكم عقلي نشأ منه بملاحظة اللفظ تبعاً كسائر الأحكام
العقليّة التبعيّة ، ولا يخفى أنّه ليس باعتبار وضع اللغة في شيء حيث إنّ العقل لا قضاء له بذلك
أصلا .
غاية الأمر - على تقدير التسليم - قضاؤه بكونه مراداً ، وأين ذلك ممّا هو مطلوب في