تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
شرح
ب‍ " عن " لابدّ لها من مصحّح ، ولا يكون إلاّ بتضمينها معنى الإعراض ، والمنع من المخالفة على وجه الإعراض والتنفّر وعدم المبالاة لا يقتضي المنع عن المخالفة بدون ذلك . وأُجيب عنه : بأنّ تعدية المخالفة ب‍ " عن " إنّما تقتضي تضمّنها الاعراض بالمعنى الأعمّ وهو صرف النفس عن الامتثال ، فيتمّ المقصود ، إذ كلّ مخالفة تتضمّن الإعراض بهذا المعنى ، بل كلّ ترك للمأمور به عمداً من دون عذر في معنى الميل والإعراض عنه ، وبذلك يوجّه كلام المصنّف ليتأتّى ما رامه من تتميم الاستدلال . وأمّا ما يجاب عنه أيضاً تارةً : بأنّ اعتبار ذلك إنّما هو لمجرّد المحافظة على القاعدة النحويّة ، ولا يلزم من ذلك اعتباره في المعنى المراد . وأُخرى : بأنّ المعنى يستقيم حتّى مع عدم التضمين ، تعليلا بأنّ من الأفعال المتعدّية بنفسها ما يصحّ تعديته بحرف الجرّ أيضاً بدون تضمين ، كقولك : " شكرته وشكرت له " فليس ممّا ينبغي الالتفات إليه ، فإنّ صحّة التراكيب النحويّة تدور على المعاني المرادة ، كما أنّ المعاني المرادة يستكشف عنها بملاحظة التراكيب النحويّة ، فكيف يتصوّر قيام وجه مصحّحاً للتركيب النحوي وهو غير مرتبط بالمراد ، وتنظير محلّ البحث بما ذكر مبناه القياس مع الفارق فلا يعبأ به ، مع كونه فاسداً في نفسه . نعم يمكن أن يجاب أيضاً : بأنّ الالتزام بما ذكر من التأويل ليس لمجرّد المحافظة على القاعدة ، وهذا الغرض كما يتأتّى بما ذكر من التضمين فكذلك يتأتّى بارتكاب تجوّز بحمل " المخالفة " على المجاوزة ، على أنّ التضمين عبارة عندهم عن إشراب اللفظ معنى لفظ آخر وقد ذكر له وجوه : أحدها : أن يستعمل اللفظ في معناه الحقيقي ويضمر ما يتعدّى بالحرف المذكور في الكلام كما في قوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) ( 1 ) فيكون المعنى : لا تأكلوا أموالهم ضامّين إيّاها إلى أموالكم . وثانيها : عكس ذلك ، كأن يقال في الآية : لا تضمّوا أموالهم إلى أموالكم آكلين إيّاها . وثالثها : أن يستعمل اللفظ في معناه الأصلي ويقصد بتبعيّته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ ، ولا ريب أنّ شيئاً منها في المقام ليس بأولى ممّا ذكرناه من الاحتمال إن لم نقل بأولويّته لشيوع وروده في المحاورات ، مع مرجوحيّة بعض الوجوه
هامش
( 1 ) النساء : 2 .