فان قيل : قوله في الآية : " عن أمره " ، مطلق فلا يعمّ * ، والمدّعى إفادته
الوجوب في جميع الأوامر بطريق العموم .
شرح
المذكورة في حدّ نفسه كما لا يخفى .
* ومحصّل الإيراد : أنّه لا دلالة في الآية إلاّ على كون أمر مّا للوجوب ، بمعنى إرادة الوجوب منه ، حيث
لا عموم فيها ، وهذا ممّا لا كلام فيه ، كما أنّه لا يوجب المطلوب .
وجوابه التحقيقي : إنّ " أمره " مصدر مضاف ، وهو على ما يساعده ظاهر النظر يرد في
المحاورة على وجهين ، فمنه ما يفيد العموم ومنه ما لا يفيده ، وإنّما يختلف ذلك بوروده في
حيّز الإنشاء أو الإخبار من غير المضيّ ، ووروده في حيّز الإخبار من المضيّ .
وإن شئت حقيقة ذلك فانظر في قولك : " أطع أمر زيد " و " إنّي أُحبّ ركوبه " و " رأيت
ركوبه " فإنّ الأخير لا يقتضي أزيد من فرد مّا بخلاف الأوّلين .
ووجه الفرق : أنّ الإخبار إذا قيّد بالمضيّ من الأزمنة فلا جرم يقتضي وجود متعلّقة في
الخارج ولا موجود إلاّ الفرد ، بخلاف الإنشاء أو الإخبار بغير المضيّ فإنّهما لا يقتضيان
وجوداً أصلا ، بل الّذي يقتضيانه إنّما هو تعلّق الحكم بالطبيعة وهي سارية في جميع أفرادها
فيتبعها الحكم وهو معنى العموم ، ومن هذا الباب محلّ البحث من الآية فلا إيراد ، ومن أطلق
الحكم بكون المصدر المضاف مفيداً للعموم كالمصنّف وغيره إن أراد ما قرّرناه فمرحباً
بالوفاق ، وإلاّ فدائرة المنع أوسع ممّا بين الأرض والسماء إن أراد العموم الوضعي ، وكذلك لو
أطلق في تلك الدعوى بحيث كانت شاملة لجميع أحوال اللفظ إن أراد العموم بالمعنى الّذي
قرّرناه .
ودعوى : جواز الاستثناء في غير ما ادّعينا العموم فيه .
يدفعها : لزوم الاستهجان في الاستثناء لو ورد على ما في حيّز المضيّ كما لا يخفى .
فإنّ ظاهر العموم بالوجه المتقدّم كونه إفراديّاً فيفيد التهديد على مخالفة كلّ واحد واحد
من أوامره تعالى ، فلا يرد ما قيل أيضاً - بعد تسليم العموم في " الأمر " - بإبداء احتمال إرادة
مجموع الأوامر من حيث المجموع فلا يفيد المطلوب ، لصحّة التهديد على المخالفة حينئذ
على تقدير كون البعض مفيداً للوجوب مجازاً ، أو إطلاقاً للفظ المشترك لفظاً أو معنى على
أحد معنييه .