قلنا : المتبادر إلى الفهم من المخالفة هو ترك الامتثال والاتيان بالمأمور
به . وأمّا المعنى الذي ذكرتموه فبعيد عن الفهم ، غير متبادر عند إطلاق
اللّفظ ; فلا يصار إليه إلاّ بدليل . وكأنّها في الآية اعتبرت متضمّنة معنى
الإعراض ، فعدّيت ب " عن " * .
شرح
كالصريح ، بل قوله : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ( 1 ) صريح في تعليق الحكم على
الوصف ، فيقضي بعلّيّة مأخذ الاشتقاق .
وبذلك يندفع أيضاً ما قيل من احتمال أن يراد بالمخالفة الحكم على خلاف ما أمر الله
تعالى به ، كما هو إطلاق معروف في مخالفة بعض الناس لبعض ، فإنّه مبنىّ على إرادة المأمور
به من " الأمر " وهو مجاز لا يصار إليه إلاّ مع دليل ، ولا دليل ومجرّد الاحتمال غير كاف في
الانصراف عن أصالة الحقيقة .
كما يندفع أيضاً ما قيل من احتمال كون الموصول مفعولا ل " يحذر " ويكون الفاعل
مستتراً فيه عائداً إلى السابق ، فيكون المقصود بيان الحذر عن الذين يخالفون عن أمره لا
وجوب الحذر عليهم ، ليفيد استحقاقهم للعذاب من أجل مخالفتهم ، فإنّ الحذر لا يتعدّى
بنفسه ، فينافيه تجرّد الموصول عمّا يناسب ذلك من الحروف ، مع فقد المقام عمّا يصلح
مرجعاً لضمير الفاعل ، فيدور الأمر بين
جعل المعمول فاعلا أو مفعولا ، والأوّل أولى كما هو المصرّح به في كلامهم ، مع أنّه غير مناف
للمطلوب أصلا بل مؤكّد له ، فإنّ مخالفة " الأمر " لولاها غير جائزة لهم لما استحقّوا لأن
يحذّر غيرهم عنهم بإصابة الفتنة أو العذاب الأليم .
ومن البيّن أنّ ذلك بالنسبة إليهم في أعلى درجة الذمّ والتوبيخ ، وهو آية الوجوب .
ألا ترى أنّ النهي عن مجاورة شارب الخمر وغيره من العصاة كما ورد في كثير من
الأخبار تعليلا بأن لا يعمّ البلاء أو العذاب النازل إليهم ، يفيد استحقاقهم للعذاب القاضي
بحرمة ما كانوا يفعلون ، ومثله الآية لو صحّ الاحتمال المذكور فيها .
* وهذا ممّا أخذه المصنّف تقريباً للاستدلال أو متمّماً له ، مع أنّ المانعين عن الاستدلال
أخذوه موجباً للنقض ، بتقريب : أنّ المخالفة ممّا يتعدّى بنفسه وتعديتها في الآية
هامش
( 1 ) النور : 63 .