تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
شرح
وأُجيب عن الأوّل ( 1 ) بأنّ كلام النحاة معارض بما اشتهر بين الأُصوليّين من كونه موضوعاً للأعمّ مع كونهم أدقّ نظراً وأشدّ فحصاً ، وممّا يشهد على وهنه عدم تشبّث الفحول به مع أنّهم استندوا له بأُمور واهية جدّاً ، وتعلّقوا بما يمكن التعلّق به ولو كان ظاهر الفساد ، مع أنّ منهم من كان من فضلاء العربيّة ، ومع ذلك يحتمل إرادتهم تعلّق الخطاب في الحال وإن كان ممتدّاً وثابتاً بعده أيضاً ، ولا يخفى ضعف ما عدا الأخير الّذي مطابق لما حقّقناه ، فهو الجواب الحاسم لمادّة الاحتجاج . وعن الثاني ( 2 ) : بأنّ الاحتياط من الأدلّة العمليّة ولا ربط له بالوضع ، مع عدم لزومه في نحو المقام ، فإنّه لازم فيما شكّ في المكلّف به بعد ثبوت أصل التكليف لا في التكليف وهنا من قبيل الثاني ، فإنّ إطلاق الأمر يقتضي عدم التوقيت فيدفع احتمال المسارعة بالأصل ، مع أنّه معارض بمثله من لزوم التراخي ، إلاّ أنّه قال في النهاية : " من توقّف في الامتثال بالمسارعة خالف إجماع السلف " . والأوّل والأخير حقّ متين والأوسط فاسد بالجزم واليقين ، فإنّه كلام لا يصلح ناقضاً لما رامه المستدلّ ، لظهور عبارته في أنّ الموجب للاحتياط أمر خارج عن مجرّد احتمال التكليف بالفور ، فلا يرد عليه أنّه لا يجري في موضع الشكّ في التكليف ، مع أنّ له أن يدرجه في عنوان الشكّ في المكلّف به بإرجاعه إلى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ، كما يقتضيه أحد محتملات الفور القاضي بكون الفوريّة شرطاً في الصحّة . والأولى أن يقال - في ردّ الاستدلال - : بأنّ الموجب للاحتياط إن كان تيقّن الاشتغال بالفعل المستدعي لوجوب اليقين بالامتثال ، فيدفعه : عدم توقّف ذلك على المبادرة والاستعجال ، لعدم منافاة التأخير لحصول الامتثال فيكون مخيّراً بينهما بحكم العقل الناشئ عن إطلاق اللفظ ، وإن كان خوف الفوات بالتعذّر أو التعسّر عند التأخير - كما هو عبارة الدليل - فيجب الفور احتياطاً من باب وجوب دفع احتمال الضرر . ففيه : أنّ الاحتمال ما لم يكن عقلائيّاً لا يجب دفعه جزماً من العقل والعرف والعادة وإلاّ لتضيّق جميع الموسّعات وانسدّ أبواب جميع المعايشات ، وما ذكر من الخوف احتمال لا يعتني به العقلاء أصلا ما لم يبلغ حدّ الرجحان ، كما يظهر بملاحظة طريقتهم في مطلقات الأوامر العرفيّة . وقد تقدّم في تقرير الدليل على المختار الإشارة إلى بعض ما يشهد بذلك .
هامش
( 1 ) والمراد به قول النحاة : " بأنّ الأمر للحال " . ( 2 ) أي قوله : " والاحتياط لخوف عروض التعذّر أو التعسّر " .